هناك رواية رواها الكليني المتوفّى سنة: "329هـ" تتحدّث عن مبايعة السجّاد ليزيد بطريقة مذلّة جدّاً في المدينة بعد واقعة كربلاء، وهي معتبرة السّند بالاتّفاق عند علماء الطّائفة قديماً وحديثاً، لكن حيث إنّ الثّابت تاريخيّاً: أنّ يزيد لم يخرج من الشّام من حين استلام خلافته استغرب شيخ المحدّثين الاثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: "1110هـ" من ذكر اسم يزيد فيها، واحتمل أن تكون بيعة يزيد قد حصلت عن طريق واليه في المدينة مسلم بن عقبة، وهو الّذي تؤكّده النّقولات الأخرى. [مرآة العقول: ج26، ص178؛ بحار الأنوار: ج46، ص138].
وهنا بدأت المسرحيّة من قبل المرحوم عليّ شريعتي، وأخذ يلطم ويبكي ويولول، ويقول لمستمعيه ومخاطبيه آنذاك: لقد بقيت ثلاثة أشهر ونصف مصدوماً مذهولاً حين قراءتي لهذه الرّواية، وكيف يمكن أن أنقل مثل هذه الرّواية الّتي تحمل إساءة منقطعة النّظير إلى الإمام وهي تهمة أمويّة ليس إلّا؟! كيف يمكن أن نصدّق مثل هذه الافتراءات على السجّاد الّذي كانت مسيرة حياته عبارة عن دعاء وتهجّد من أجل معارضة النّظام وزعزعة أركانه؟! وقد أجريت موازنة ما بين مهاجمة المجلسي والنّتائج الّتي سأتلقّاها من مهاجمة رجال الدّين وما بين كرامة الإمام فاخترت الثّانية!! [راجع: التشيّع الصّفوي: ص197 فما بعد، النّسخة الفارسيّة، ط 1971م].
اعتقد أنّنا إذا ما أحسنّا الظّن بصاحب هذه الخطابيّات والحماسيّات فإنّ كلامه عين الجهل ليس إلّا، وإلّا فما علاقة المجلسي أو الكليني بالموضوع؛ فمسألة مبايعة السجّاد ليزيد مطلب مسلّم ومتّفق عليه بين علماء الإسلام والمذهب، وإسقاط الحقائق المنبثقة من صحاح النّصوص ومعتبراتها عن طريق الصّورة النّمطيّة الورديّة والمثاليّة المرسومة في الأذهان عن الرّسول والإمام عمل لا يصحّ بحال من الأحوال، فكيف والصّورة الرّاكزة في ذهن شريعتي هي صورة ماركسيّة بامتياز، وكأنّ الرّسول وعليّ وأبا ذر زعماء الطّبقة البروليتاريّة الكادحة، وكلّ نصوص ومواقف وسلوكيّات رويت عنهم وتخالف مبادئ هذه الطّبقة فهي باطلة ولم تصدر منهم وعنهم، وهو كلام خطابيّ هدفه تحشيد البسطاء المتديّنين ضدّ حكّام وقته لا غير.
المؤسف: أنّ هذه الطّريقة من إسقاط صحاح النّصوص ومعتبراتها خلّفت ضحايا كثيرين جدّاً حتّى اليوم، ولا زال العالم الإسلاميّ والمذهبيّ ينوء بها كثيراً؛ إذ تراهم يسقطون صحاح النّصوص لصرف أنّها لا تنسجم مع الأحلام الّتي رسموها في أذهانهم وتربّوا خطأً عليها، فبدل أن يتصالحوا مع أنفسهم ويقبلوا الحقيقة كما جاءت في الكتب المعتبرة ويسلّموا بها أو يرفضوها مع الالتزام بلوازم كلامهم، يضطرّون إلى إنكارها والانتصار لأوهامهم النفسيّة، وهذا هو التديّن الصّوري المشوّه، فتدبّر كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.