احترم المرجع العالم بصنعته، والصّادق مع نفسه ومع غيره، الواضح والشّجاع في بيان فتاواه وإجابة استفتاءاته طالما أوصله إليها الدّليل، من دون مواربة ولا تختيل ولا خوف ولا وجل ولا رهبة ولا مداراة، حتّى لو اختلفتُ معه جذريّاً في المنهج والمفردات والخطاب.

وأمقت المرجع العالم بصنعته، الكاذب مع نفسه فضلاً عن غيره، الغامض والمموّه في بيان فتاواه وإجابة استفتاءاته، مهما حاول تبرير ذلك لنفسه ولمقرّبيه بعناوين خدّاعة من قبيل: التقيّة، ودفع الأفسد بالفاسد، والحفاظ على دين النّاس، وإلى غير ذلك من "فرّارات" وكلاوات معروفة تُسمّى العناوين الثّانويّة؛ لكنها تنطلي على السُذّج والجهلة والأغبياء.

ولهذا لا تغرّنكم الرّسائل العمليّة الّتي حُذفت أو غُيّبت منها بعض الفتاوى، أو غُيّرت عباراتها تمويهاً واستخفافاً بعقول المقلّدين، ولا إجابات الاستفتاءات المُنتقاة بعناية ودقّة؛ فمرجع هذه القشمريّات و "الفرّارات" هو المرجع وحاشيته من النّوع الثّاني، لأنّهم يحرصون كلّ الحرص على إبقاء الدكّان نفسه مستمرّاً، مهما كانت بضاعته بائرة وتالفة هو وصنّاعها، والأهمّ عندهم التّعليب الجيّد وطريقة التّسويق، وقد ربّوا أجيالاً من المعمّمين يُفكّرون بالطّريقة نفسها، والأطمّ أنّهم جهلة بالجهل المركّب لا البسيط.

أقول قولي هذا لكي تعرف أنّ علم المرجع وتقواه لا يُقاس ـ وفقاً لموازيننا البحثيّة الاجتهاديّة ـ بمدى انسجام فتاواه مع تمنّياتك وأحلامك ورغباتك المعاصرة، وإنّما بشجاعته وجرأته في الكشف عن حقيقة الإسلام والمذهب والرّسول والصّحابة والأئمّة المصادر الرّوائيّة المعتبرة قرآناً وسُنّةً بأوضح العبارات، من دون خوف ولا وجل، ومن دون مراوغة أو تلوين.

وأيّ مرجع لا يملك هذه الجرأة، ولا يصرّح بما يراه حقّاً، فهو في ميزاننا مُخاتل مخادع، يُظهر غير ما يُبطن من أجل استمرار الاستغفال والاستحلاب نفسه، والحقيقة ستظهر مهما طمسها الكاذبون… فتأمّل قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.