كانت أوّل جمعة ظهر فيها الشّهيد محمّد الصّدر في مسجد الكوفة بتاريخ 17 نيسان 1998م، لكنّ المفارقة اللّافتة للنّظر تماماً أنّ سبع رصاصات سكنت جسد الشّيخ مرتضى البروجردي بعد أربعة أيّام فقط من هذا التّاريخ، أي في مساء الأربعاء 22 نيسان، وقد قال الصّدر في صباح الأربعاء أو ليلتها بلغة تأبين غريبة: "الظّاهر أنّ مقتضى المصلحة العامّة هو التّعطيل ثلاثة أيّام حداداً على مقتل البروجردي"!!

الغريب جدّاً أنّ الصّدر، وفي خطبته الأولى، أوجب على جميع المراجع الحضور لصلاة جمعته حتّى وإن كان رأيهم الفقهيّ غير ذلك؛ وذلك لأنّه يرى لنفسه الولاية عليهم، وهم ملزمون بالحضور بأمره الولائيّ، بل وتعمّد إرسال رسائل خطّيّة لهم بتوسّط ابنه مصطفى، يدعوهم فيها إلى الحضور لصلاة الجمعة والانصياع لأمره الولائيّ، رغم علمه بمواقفهم الفقهيّة واختلافهم معه في هذا المجال!!

لكنّي أتساءل: ألم يكن الشّهيد محمّد الصّدر يعلم علم اليقين بأنّ أحداً من المراجع لن يستجيب لدعوته إيّاهم بالمجيء لصلاة الجمعة، حتّى لو قُدّم إماماً لها؟!

والجواب: إنّ الصّدر ليس غشيماً إلى هذا الحدّ، بل يعرف ماذا يصنع وماذا يفعل، وليس الأمر من باب إلقاء الحجّة؛ لأنّه يعلم أنّهم لا يرونه ذا صلاحيّة لمثل هذا المقام أصلاً، ولكنّ غرضه الأساس هو إحراجهم وتحييدهم والتّحريض ضدّهم منذ أوّل جمعة أقامها وكلاؤه في المحافظات، وكانت محصّلة هذا السّلوك تعميق الخلافات، وشحن الأتباع ضدّ المراجع الآخرين، وتصوير عدم استجابتهم لدعوته على أنّه موقف سلبيّ من صلاة الجمعة ومشروعه الدّينيّ، لا اختلاف فقهيّ ومبدئيّ معه!!

وبدأ يحرّض عليهم يوماً بعد يوم، وفسّق وكلاءهم، وحرّم الصّلاة خلفهم، واستولى بالتّعاون مع السّلطة على مدارسهم وأوقافهم قبلها، وأذلّهم وركّع جميع بطانتهم في موضوع الإقامة، حتّى أصبحت أجواء الحوزة مشحونة بالصّراعات والتّوتّرات، وأصبح الاختلاف معه في الرّأي والفتوى سبباً للتّسقيط والتّحريض!!

وكانت آخر المحصّلة: مقتل البروجردي بعد خمسة أيّام فقط من جمعة الكوفة، والغروي بعد 57 يوماً، وتعرّض السّيستاني لمحاولة اغتيال نجا منها، وكذا غيره، فأُدخلت الحوزة وبقيّة المراجع في رعب شديد، ومع هذا كلّه يأتيك من لا يعرف أيّ طرفيه أطول ويقول: لم يقف المراجع مع مشروع الصّدر في نشر الوعي الدّيني!!

إنّ إعادة كتابة التّاريخ بشكل محايد عمليّة غاية في الخطورة، ويكتنفها كثير من الصّعوبات والمشاكل، خصوصاً أنّ التّاريخ بصيغته القديمة قد تشكّلت على أساسه رؤوس أموال ضخمة وكيانات كبيرة، وأُقيمت على أساسه زعامات ومقدّسات ومصالح اجتماعيّة وسياسيّة ودينيّة يصعب على أصحابها التّخلّي عنها!!

فمن الطّبيعيّ أن تقاتل هذه الكيانات للحفاظ على التّاريخ القديم بصيغته السّابقة، مهما كان مشوباً بالكذب والوهم والتّضليل؛ لأنّ انهيار تلك الصّيغة يعني انهيار كثير من المصالح والمكتسبات الّتي تأسّست عليها، ولهذا تصبح معركة تصحيح التّاريخ معركة مع المستفيدين منه، لا مع الوقائع والأدلّة وحدها، فتأمّل وتدبّر وافهم، ولن تفهم، والله من وراء القصد.