المؤسف أنّ الشّهيد محمّد الصّدر لم يوفّق أصلاً في صناعة الإنسان الأخلاقيّ المتقيّد بالضّوابط داخل نفوس عموم مقلّديه؛ بل كان منشغلاً "رحمه الله" بالتّشاكس من أجل إثبات الذّات وصراع المرجعيّات، وكان ينقل تشاكسه وصراعاته إلى مقلّديه من على منبر الجمعة أيضاً، بغية شحنهم عاطفيّاً ضدّ خصومه وتحريضهم عليهم، وكان يُفسّق ويُسقّط كلّ من يختلف معه ولو بالرّأي والفتوى، وهذا الأمر مشهور معروف عنه، وقد وثّقناه بما لا مزيد عليه أيضاً.
ولهذا نجد أنّ عموم عشّاقه ومقلّديه، حتّى أولئك الرّاشدين في حينه، ناهيك عن مواليد التّسعينيّات والألفينيّات، ما إن تختلف معهم في وجهة نظر معيّنة، أو تنقد مقدّسهم وفقاً لما يمليه عليك الدّليل والوثائق المنسجمة مع الواقع القطعيّ، حتّى تترى عليك مفرداتهم وبالرّسم الإملائيّ المعروف: ئبن زنه، زنيم، ئبن حرام، ئسال عن أبوك، أمك، عرضك، عميل، لندن... إلخ من ماركات فشار مسجّلة باسمهم.
نعم؛ حسب الصّدر أنّ محاربته لظواهر السّفور، وشرب الخمور، والغناء والرّقص، والحثّ على صلاة الجمعة خلفه وخلف وكلائه، أو حتّى زيارة الحسين... إلخ، وغير ذلك من مظاهر، إنّما يعمّق الأخلاق في نفوس مقلّديه، مع أنّه غفل ـ ولا أقول غير ذلك ـ عن أنّ هذه الأمور لم تكن يوماً هي المقوّمات الحقيقيّة للأخلاق، ما لم تُرافقها سيرة فعليّة وقوليّة لصاحبها تنسجم مع ما يدعو إليه، وتُترجم إلى سلوك عمليّ في التّعامل مع الآخرين، لا سيّما المختلفين معه في الرّأي والموقف!!
أمّا إذا كان في النّهار يمارس الوعظ، وتجده غارقاً في تسقيط غيره وتفسيقهم والتّحريض عليهم في اللّيل، بل وحتّى في الوعظ نفسه، فلن تؤثّر هذه البيانات والنّصائح في صناعة الإنسان داخل موتى النّفوس؛ وذلك لأنّ الأخلاق لا تُصنع بالخطب والمواعظ الفارغة وحدها، بل بالسّلوك العمليّ الّذي يُجسّدها، ولا سيّما حينما يكون الإنسان أمام خصومه ومخالفيه!!
لذا أتمنّى من عموم أصحاب القرار في الحنّانة، صقوراً وحمائم، أن يشتغلوا كثيراً على هذا الجانب، وأن يغادروا لغة المولى المقدّس؛ فالصّدر ـ مهما اختلفنا في تقييمه ـ تجربة مرّت وتصرّمت، ولها ما لها وعليها ما عليها، والمهمّ هو أن تبدأوا ببناء الإنسان داخل نفوس أتباعكم، وتربيتهم على احترام الاختلاف، وتقبّل النّقد، والاحتكام إلى الدّليل، بدلاً من تقديس الأشخاص وتسقيط المخالفين، وتوظيف أنواع الفشار تجاههم!!
وحينما يُبنى الإنسان، سوف يُبنى العلم بعد ذلك؛ لأنّ العلم من دون أخلاق قد يتحوّل إلى أداة للتّسقيط والاستعلاء، أمّا الإنسان الّذي يمتلك أخلاق الاختلاف، فبإمكانه أن يتعلّم وينقد ويُناقش دون أن يفقد إنسانيّته، بل هذا ما تنبّه له الصّدر في أواخر حياته؛ حينما غيّر تكتيه الهجوميّ محاولاً استقطاب من أقصاهم وسقّطهم بالموعظة والكلمة الحسنة، ولات حين مناصّ، فتأمّل قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.




لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.