ما لا يفهمه الغوغاء، ولن يفهموه أيضاً، أنّ الشّهيد محمّد الصّدر حينما حاول في أشهره الأخيرة من حياته استفزاز الدّولة آنذاك ببعض المشاريع والحركات والكلمات، فإنّ هذا لا يُعدّ شجاعةً أو شهامةً أو تحدّياً للنّظام القمعيّ الدّكتاتوريّ آنذاك؛ وذلك:
لأنّ الصّدر كان يعرف تماماً ـ بحكم علاقاته المتينة والعميقة جدّاً مع أجهزة النّظام، وتوصيات القصر الرّئاسيّ نفسه به ـ أنّ الدّولة لن تتعرّض له، وإن تعرّضت فهو قادر بحكم قوّة الشّارع الّتي تخيّلها على إركاعها، ولهذا كان يُجيب بكلّ ثقة من يُعلّل عدم حضوره صلاة الجمعة في المحافظات بذريعة الخوف من مراقبة الدّولة: لا صحّة لهذا الكلام، والدّولة غضّت النّظر عن ذلك!!
نعم؛ إذا لم يكن للشّخص تخادم طويل عريض مع الدّولة، ولا علاقات مع أعلى رجالاتها، ولم يعقد اجتماعات مع كبار مسؤوليها، ثمّ حاول فجأةً استفزاز الدّولة بهذه الطّريقة، فمن الطّبيعيّ أن يكون هذا الموقف شجاعةً منه، وربّما تهوّراً أيضاً؛ لأنّه يُقدم على مواجهة سلطة قمعيّة من دون أن يستند إلى علاقات سابقة أو ضوء أخضر منها.
أمّا إذا كان الشّخص يستند إلى مثل هذه العلاقات والتّفاهمات، ويعرف أنّ الدّولة قد غضّت النّظر عن تحرّكاته، فلا يصحّ فصل مواقفه عن هذه الخلفيّة، وتصويرها جميعاً على أنّها شجاعة وشهامة وتحدٍّ للنّظام، ولهذا فإنّ قراءتنا لمواقف الصّدر وعلاقاته تكشف عن الميكافيليّة الّتي نعتقد أنّها حكمت جانباً كبيراً من سلوكه في هذا الشّأن.
ولكن مع هذا كلّه، فقد عرفت الدّولة أنّ تحفّظات جهاز المخابرات على دعم الصّدر للمرجعيّة العلياً كانت في محلّها، وأنّ الزّاد والملح والدّعم المستمرّ للصّدر لن يُجدي نفعاً، وأنّه ـ بحسب تعبير مدير جهاز الأمن آنذاك الحبّوش ـ ناكر للمعروف، وينبغي توفير البديل عنه وعدم الاعتماد عليه، فتفطّن وتأمّل وافهم، ولن تفهم، والله من وراء القصد.




لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.