كان الشّهيد محمّد الصّدر يصرّح بأوضح العبارات لمقرّبيه وبطانته، بل ولدائرة أوسع من ذلك أيضاً، بأنّه انتهج في بدايات طرح مرجعيّته أسلوباً ميكافيليّاً محضاً، قوامه: "الغاية تبرّر الوسيلة"؛ بسبب ضعفه آنذاك وعدم معروفيّته. أمّا بعد أن قويت شوكته، واتّسعت مرجعيّته، وبُسط نفوذه، فقد آن الأوان ـ وهذه مضامين تصريحاته ـ للحديث بلغة المثاليّة والأخلاق: إيّاكم والتّجاوز، وإذا ضربكم أحدهم على خدّكم الأيمن فأديروا له الأيسر!!

وما أقوله هنا ليس تحليلاً نفسيّاً من عندي، ولا أضغاناً أو أحقاداً شخصيّة كما يقول بعض الصّدريّين، وكأنّ الصّدر قد قتل أبي أو أمّي، ولا هو حكايات مجالس ومقاهٍ؛ وإنّما هي نصوص مرئيّة ومسموعة، بصوته وصورته أيضاً. وأنا ميثاق العسر، ويعرف المنصفون ـ حتّى من المناوئين والمخالفين ـ أنّني لا أنسب إلى الرّجل، ولا إلى غيره أيضاً، شيئاً من دون أن أملك عليه مادّةً موثّقةً حاسمة.

ومع ذلك يأتيك "الغمّان" ليقولوا لك بثقة عجيبة: مستحيل، الصّدر أطهر من ماء المطر!! يا غمّان، هذا صوت الصّدر، وهذه صورته، وهذه كلماته وهو يصرّح بذلك بنفسه؛ فماذا تريدون بعد،وماذا دهاكم؟!

وأنا أتفهّم أمثال هؤلاء أحياناً؛ لأنّهم لا يعرفون كيف تُصنع المرجعيّات، ولم يعيشوا مع شخوصها وطامحيها بلا فلاتر ولا مساحيق تجميليّة، وإنّما يغترّون بالظّواهر، كما اغترّ المؤمنون قبلهم بالمشاريع الّتي وُصفت بأنّها سماويّة.

أمّا من خبر هذه الأجواء، وعاصرها، وعايش تفاصيلها، واستحضر ما يُنسب إلى الشّلمغاني، وهو الضحيّة المغدور والمأسوف على أمره، والمرجع الأعلى للطّائفة الشّيعيّة في زمانه، من القول: "كنّا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف"، فسيدرك تماماً ما أقول؛ وهو أنّ الصّراع على المرجعيّة يبقى ـ في جوهره ـ صراعاً بشريّاً خالصاً، مهما أُلبست رموزه من أثواب القداسة، ومهما نُسجت حولهم من حكايات التّسديد والسّماء، وعليك أن تنجو بنفسك من هذه الأوهام، فتفطّن إن كنت من أهله، والله من وراء القصد.