كان الشّهيد محمّد الصّدر يعي تماماً أنّه خالي الوفاض من المؤهّلات الّتي تمكّنه من طرح مرجعيّته بالطّريقة المتعارفة داخل الأروقة النّجفيّة والقميّة؛ بمعنى أنّ هذه الحوزات، وبموازينها الصّناعيّة المعروفة، لن تعترف له بالاجتهاد، فضلاً عن الأعلميّة؛ إذ لم يُثبت جدارته حتّى في تدريس أمثال الرّسائل في فترة السبعينيّات، كما ادّى انعزاله الشّديد، وابتعاده سنوات طويلة عن الدّرس والتّحصيل والتّأليف والكتابة، إلى عدم توفّر المقوّمات المتعارفة لمثل هذا الاعتراف؛ فلا مؤلّفات فقهيّة أو أصوليّة عميقة تحمل إشارات تملّك صاحبها أصول الصّنعة، ولا طلّاب نابهون متقدّمون يشهدون له ويؤيّدون اجتهاده وأعلميّته.

كما أنّ طريق العمل الهادئ، والانتظار سنوات طويلة حتّى تربية جيل من الطلّاب المحصّلين، أو تصنيف مؤلّفات عميقة ودقيقة تكشف بوضوح عن تسلّط فقهيّ أو أصوليّ وإحاطة تامّة، لم يكن يراه مناسباً له أصلاً؛ فالوقت يمرّ، والمنافسون أقوياء، والفرصة قد تضيع من بين يديه قبل أن يحقّق الأهداف الّتي كانت تدور في ذهنه.

ولهذا رأى ضرورة التّماهي ـ حتّى النّهاية ـ مع ما أراده النّظام السّابق من دعم مرجعيّة عراقيّة في مواجهة المرجعيّات غير العراقيّة الأخرى؛ وحين توفّر له الضّوء الأخضر من الحكومة العراقيّة والدّعم الشّديد له آنذاك وجد الفرصة مناسبةً جدّاً لطرح مرجعيّته، ورأى أنّ التّماهي مع أهدافها هو أخصر الطّرق للوصول إلى غاياته ومراميه مهما اختلفنا في تقويمها.

ومن هنا "ساگ عليها جميعاً"، وجدّ الخطى بطريقة عجيبة وسريعة، وركّز في أذهان العوامّ ما يراه أخطاءً وأباطيل في المرجعيّات المتصدّرة، وعمل على فرض حضوره وسيادته المرجعيّة، مركّزاً دعوى أعلميّته عن طريق الادّعاءات فقط والتحدّيات، وفي غضون مدّة قصيرة جدّاً إذا قيست بالموازين العلميّة والحوزويّة المتعارفة.

وبعد أن "ساگ عليهم جميعاً"، ورأى نجاعة هذا الطّريق، وبدأت نتائجه الغضّة بالظهور، واتّسع مشروع مرجعيّته، وفرض نفسه على مساحة جماهيريّة عراقيّة واسعة، بدا له أنّ هناك فئات مهمّة من المجتمع لا تستطيع الانسجام معه ومع مشروعه ما دام مستمرّاً بالطّريقة الصّداميّة نفسها، وبمنهج التّسقيط والتّفسيق المتواصل للمراجع والوكلاء وأئمّة الجمعة ممّن لا يتّفقون معه أو لا يرون وجوب تقليده.

وهنا بدأ يغيّر اللّغة، فأصدر تعليماته المركزيّة لمحيطه وبطانته بضرورة الابتعاد عن طرح ما يثير الإشكالات والاعتراضات، وأن يركّزوا على الإيجابيّات من دون التّعريض بالآخرين، بل وأن يقابلوا الإساءة بالإحسان؛ فمن سبّهم أو شتمهم فليصفحوا عنه وليقابلوه بالمودّة، لأنّ مثل هذه السّلوكيّات وفقاً لحساباته الجديدة قادرة على استقطاب من بقي خارج مشروعه، أو لا أقلّ من تحييده وعدم دفعه إلى صفّ الخصوم.

لكنّ هذه التّعليمات لم تؤتِ أُكلها كما أراد؛ فقد جاءت بعد خراب البصرة إذا جاز هذا التّعبير؛ لأنّ المنهج الأوّل كان قد انتشر انتشار النّار في الهشيم، وأصبح هو اللّغة السّائدة الّتي اجتذبت قطاعات واسعة من عامّة النّاس إلى مرجعيّته في عصر الحرمان والجوع والحصار.

ولم يجد الشّهيد محمّد الصّدر فسحةً كافية من الوقت لتعميق منحاه الجديد وترسيخه في جمهوره؛ إذ فاجأه الموت بطريقة لم تكن داخلةً ـ وفقاً لتصوّراتنا ـ في حساباته العمليّة القريبة. بل إنّ مقتله نفسه تحوّل إلى عامل إضافيّ في تعميق المنهج الأوّل داخل قاعدته الجماهيريّة؛ إذ تضاعفت العاطفة والمظلوميّة، وازدادت حدّة الانفعال، واستمرّ السّباب والتّسقيط والخصومات تحت عنوان الدّفاع عن المولى المظلوم إلى يومنا هذا... فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.