كلّما تأمّلت في هذه الدّعوى لم تدخل حياض تصديقاتي؛ إذ كيف يمكن لشخص يدّعي الأعلميّة الدّينيّة والتفوّق العلمي على عموم مجايليه، بل وعلى أساتذته في حياتهم أيضاً، أن يقول في الوقت نفسه: "إنّني كنت ولا زلت أشكو من قلّة المصادر وبعثرة المعلومات، في مختلف الحقول والاختصاصات"؟!

فإذا كانت الأعلميّة هي ملكة الهيمنة على التّراث الأصوليّ الاثني عشريّ وإتقان تطبيقه على موارده المعروفة، كما يقول بعضهم ـ خطأً ـ، فإنّ هذه الملكة ستكون عمليّاً صفراً على الشّمال حينما لا تتوفّر لدى الباحث المصادر الرّوائيّة الأساسيّة الّتي تسهم في تكوين صورة متكاملة عن أصل الحكم المراد استنباطه، فضلاً عن سائر المعدّات البحثيّة الّتي يعرف أهميّتها كلّ من وقف على أبسط مقوّمات الاجتهاد الاثني عشريّ.

كما لا ينجّز هذا النّوع من الملكة أيّ تكليف على المكلّف يقرّر له ضرورة تقليد صاحبها بناءً على فرضيّة وجوب تقليد الأعلم؛ إذ من كان فاقداً لهذه الأدوات، وكان لا يزال يعاني من بعثرة المعلومات، فما هي قيمة ملكته عمليّاً؟! وكيف تسنّى له، من خلالها أيضاً، معرفة تفوّقه على الآخرين؟!

أعتقد أنّ علينا أن نحترم عقولنا، ونفكّر بطريقة منهجيّة منضبطة؛ فكما لا تثبت إمامة الشّخص الإلهيّة بمجرّد رواياته ومرويّاته ومدّعياته، كذلك لا يثبت اجتهاد الشّخص ولا أعلميّته بمجرّد مدّعياته، من دون كواشف إثباتيّة معتبرة.

فكيف إذا اعترف بنفسه بقلّة مصادره وبعثرة معلوماته، وكان تراثه عموماً يعزّز هذا المدّعى أيضاً؟! نعم، قد يكون طيّب القلب، متقدّساً، متنسّكاً، ورعاً، تقيّاً؛ لكنّ هذه مقولة أخرى لا علاقة لها بمحلّ البحث، وإثبات شيء لا ينفي ما عداه. فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.