لا يختلف صاحب الموسوعة المهدويّة عن غيره من أبناء مذهبه ـ ولا عن غيره من أبناء المذاهب الأخرى أيضاً ـ في كونه داعية لا باحثاً وهو يكتب عن المهدويّة بصيغتها الاثني عشريّة؛ وذلك لأنّ الدّاعية هو من «يتمسّك بعقيدة من العقائد ـ دينيّة أو سياسيّة ـ ويدعو النّاس إليها، ولهذا فهو مضطرّ أن ينظر في أحداث التّاريخ نظرة تقييميّة حسب معيار العقيدة الّتي يدعو لها. أمّا الباحث: فالمفروض فيه أن يدرس أحداث التّاريخ دون أن تكون له أيّة فكرة مسبقة تحدّد موقفه منها، وإذا كانت لديه مثل هذه الفكرة تحوّل من كونه باحثاً إلى كونه داعية»، ولهذا يرى الرّاحل علي الوردي المتوفّى سنة: "1995م" «أنّ بعض كتّابنا ومفكّرينا يخلطون الوظيفتين، ويُريدون أن يكون الإنسان داعية وباحثاً في آن واحد، وهذا فيما أظنّ كان من الأسباب الّتي أدّت بنا إلى الوقوع في أخطاء التّطرّف مرّة بعد مرّة دون أن ننتفع من عبرة التّاريخ» (1).

نعم؛ ما مارسه صاحب الموسوعة ـ بل وحتّى من كتب له تقريظاً وعموم المتمذهبين أيضاً ـ هو وظيفة الدّاعية بمنتهى ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ؛ ولهذا أغفل تماماً أبسط ضوابط البحث العلميّ المنهجي، وتجاوز ما شاء الله من الحقائق في موسوعته؛ وهو أمر طبيعيّ جدّاً؛ لكونه داعية لا باحثاً كما نوّهنا؛ لأنّ هدفه ـ وهدفهم أيضاً ـ هو تعميق العقيدة الّتي ولد ونشأ وترعرع عليها، وقد وفّق في هذا الهدف أيضاً، بل تسبّب في ولادة حركات متطرّفة جدّاً تستلهم من هذا الكتاب دستورها.

تأسيساً على هذا التّفريق: فلا ينبغي لعشّاق صاحب الموسوعة أن يتوقّعوا ممّن يجهد نفسه في سلوك طريق البحث العلميّ وممارسة مهمّته أن يذكر لهم مديحاً علميّاً لها؛ لأنّه يتحدّث بطريقة علميّة صرفة، وصاحب الموسوعة يسير بطريقة دعويّة، وبين الأمرين فرق كبير، وموارد افتراقهما أكبر بكثير من مواد اشتراكهما، ولكن ـ وكما قال الوردي أيضاً ـ «ليس معنى هذا أنّنا نفضّل أحدهما على الآخر؛ فكلّ منهما له وظيفته الاجتماعيّة، ولا تستقيم الحياة ما لم يكن فيها دعاة وباحثون في آن واحد؛ أولئك يحرّكون التّاريخ، وأولئك يدرسونه»، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.