يعتقد صاحب الموسوعة المهدويّة بأنّ الأخبار في لقاءات المهديّ مع النّاس في عصر ما يُصطلح عليه بالغيبة الكبرى هي: «عدد ضخم يفوق حدّ التّواتر بكثير، بحيث نعلم باليقين بعدم الكذب والوهم والخطأ فيها في الجملة، وبعضها ذات أسانيد عالية يرويها أشخاص في درجات عالية من الوثاقة والإخلاص، والحاصل منها باليد ما يفوق المئة... [وبعد أن ذكر مصادرها أضاف لها] منها: ما أرويه شخصيّاً من عدد من الحوادث، وقد أثبتّ بعضه في تاريخ الغيبة الكبرى، وتركت البعض الآخر».
وأضاف أيضاً: «أنّه يُحتمل ـ بل يُمكن أن ندّعي اليقين ـ بأنّ هناك مقابلات مع المهدي "ع" كثيرة غير مرويّة إطلاقاً، وأنّ المهدي يتّصل بعددٍ من المؤمنين في العالم في كلّ جيل، مع حرصهم على عدم التّفوّه بذلك وكتمه للأبد، تحت عوامل نفسيّة شرحناها [في تاريخ الغيبة الصّغرى]. بل من الممكن التّأكيد بأنّ المقابلات غير المرويّة أكثر بكثير من المقابلات المرويّة»(1).
لكن دعونا نستمع إلى نموذج من هذه المقابلات والّتي يُفترض أنّها أفضل النّماذج والّتي نقلها صاحب الموسوعة في موسوعته، وقد عمدنا في السّابق من البحوث إلى استعراض بعضها من قبيل: حكاية شفائه لخصية عطوة؛ وفتحه طريق كربلاء في النّصف من شعبان؛ وهدايته لأحد التّائهين في الصّحراء، فماذا يُخبّئ لنا صاحب الموسوعة من جديد في هذا المضمار؟!
نصّ صاحب الموسوعة ـ وهو يتحدّث عن أهداف لقاءات المهدي في عصر ما يُصطلح عليه بالغيبة الكبرى بعد أن افترض هذه الّلقاءات أمراً حتميّاً فضلاً عن حكاية وجوده وولادته ـ على ما يلي:
مساعدته المالية للآخرين: مثاله: أنّ جماعة من أهل البحرين عزموا على ضيافة جماعة من المؤمنين، بشكل متسلسّل في كلّ مرّة عند واحد منهم، وساروا في الضّيافة، حتّى وصلت النّوبة على أحدهم، ولم يكن لديه شيء، فركبه من ذلك حزن وغمّ شديد، فخرج من أحزانه إلى الصّحراء في بعض الّليالي، فرأى شخصاً... [التّنقيط منه]، حتّى ما إذا وصل إليه قال له: اذهب إلى التّاجر الفلاني ـ وسماه ـ، وقل له: يقول لك محمّد بن الحسن: ادفع لي الاثنا عشر اشرفيّاً الّتي كنت نذرتها لنا، ثمّ أقبض المال منه وأصرفه في ضيافتك. فذهب ذلك الرّجل إلى ذلك التّاجر، وبلّغ الرّسالة عن ذلك الشّخص. فقال له التّاجر: أقال لك محمد بن الحسن بنفسه؟! فقال البحراني: نعم. فقال التّاجر: وهل عرفته؟ قال: لا. فقال: ذاك صاحب الزّمان "ع"، وكنت نذرت هذا المال له. ثم أنّه أكرم هذا البحراني وأعطاه المبلغ وطلب منه الدعاء إلخ الحديث» (2).
وفي الحقيقة: أنا أغبط صاحب الموسوعة كثيراً على صفاء نيّته وطهارة قلبه الّتي جعلته يُصدّق بأمثال هذه الحكايات ويجعلها دليلاً لا على وجود وولادة المهديّ الاثني عشريّ فحسب، بل على افتراض لقائه بالنّاس في طول عمود الزّمان حتّى ظهوره وفلسفة هذه الّلقاء أيضاً، لكنّي في الوقت نفسه أعتب على أستاذه وابن عمّه المرحوم محمّد باقر الصّدر وهو في عليائه وأخاطبه قائلاً: لا أدري ما الّذي حدا بك لكتابة تلك السّطور المؤسفة في وصف موسوعةٍ حملت مثل هذه الحكايات وعشرات السّقطات المنهجيّة المؤسفة أيضاً، لكنّي أشعر بأنّ محدّثك الّذي يُفيض عليك عقلانيّة ونُضجاً وعمقاً واكتشافاً للمصادرات والثّغرات العلميّة قد غاب عنك في تلك الّلحظات، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.