علم أصول الفقه بصيغته المتعارفة في حوزاتنا ليس إلّا ترفاً فكريّاً وضحكاً على الذّقون وفقاً لمختارنا الاجتهاديّ؛ وذلك لأنّه يقوم في أساسه على فرضيّة أنّ المشرّع معصوم، وعاقل ومنضبط في أقواله وأفعاله، ويتكلّم وفق رؤية فلسفيّة وكلاميّة محكمة، وقواعد أخلاقيّة متعالية، فإذا بدا التّعارض أو الاختلاف في كلماته، وجب إعمال القواعد العقليّة، والعقلائيّة، واللّغويّة، والأصوليّة، والاستظهاريّة...، أو المرجحّات السنديّة أو الدّلاليّة... لاكتشاف مراده الحقيقيّ، وإحكام مقاصده، والجمع بين نصوصه.

لكنّ هذا البناء كلّه ساقط من أساسه؛ لأنّ المشرّع الإسلاميّ والشّيعيّ الاثني عشريّ أيضاً لا يمتلك الحدّ الأدنى من العصمة، لا سلوكيّاً، ولا قوليّاً؛ ولهذا تراه يخطئ هنا، ويشتبه هناك، ويناقض نفسه في مواضع كثيرة؛ فهو كائن تأريخيّ محكوم بلحظته الزّمانيّة والمكانيّة، ولا يُمكن أن يتعدّى ذلك مهما وضعنا على مفرق رأسه أكاليل من مقولات فلسفيّة وكلاميّة وعرفانيّة وأصوليّة.

وهذا الأمر يشمل أصوات الرّسول القرآنيّة المجموعة لاحقاً كيفما اتّفق، كما يشمل الأحاديث والرّوايات المنسوبة إليه وإلى الأئمّة من بعده. ونحن غير مجبرين على إضاعة سنوات طويلة من أعمارنا في تصحيح أخطاء المشرّع الإسلاميّ والمذهبيّ، ووضع قواعد للتّعامل مع تناقضاته، من أجل إحراز المعذريّة والمنجزيّة وأوهامها.

وبعد اتّضاح ذلك، تتّضح قيمة الدّعوى الّتي يُطقلها بعضهم من أجل تسويق نفسه: إنّ الأعلم هو الأعلم في علم الأصول؛ فهي دعوى لا تصدر إلّا ممّن لم يطّلع على حقيقة هذا العلم، والأساس الّذي وُضع من أجله، ولم يعضّ على النّصوص الرّوائيّة والفقهيّة من مصادرها المعتبرة.

بل حتّى لو تنزّلنا عن مبنانا الاجتهاديّ آنف الذّذكر، وسلّمنا جدلاً بعصمة المشرّع الإسلاميّ والشّيعيّ، فإنّ الأعلم الواجب تقليده ليس هو الأعلم في علم الأصول بصيغته المتضخّمة المعاصرة، وإنّما هو الأعلم بالفقه بمعناه الواسع، الّذي يشمل الحديث، والرّجال، والدّراية، واللّغة، وسائر أدوات الفهم. أمّا علم الأصول بهذه الصّيغة المتضخّمة والمهولة، فلم يكن عند كبار الفقهاء المتقدّمين إلّا جزءاً محدوداً من العمليّة الاجتهاديّة، لا ذلك البناء الضّخم الّذي تحوّل إليه في الأزمنة المتأخّرة، وأضاع أعمار دارسي هذا العلم دون فهم ودراية، فتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.