كان الشّهيد محمّد الصّدر طامحاً في المرجعيّة العامّة منذ بواكير حياته، كما هو حال جدّه السيّد إسماعيل الصّدر وعمّ والده السيّد صدر الدّين الصّدر وغيرهما من أفراد الأسرة بما في ذلك جدّه لأمّه الشّيخ محمّد رضا آل ياسين، وكان يعاني في الثّلث الأخير من حياته من وضع ماليّ مزرٍ ظهر بوضوح في لقاءاته المرئيّة والصّوتيّة وأشعاره الّتي كتبها في سفره إلى إيران إبّان غزو الكويت، حينما كلّفه النّظام شخصيّاً بالذّهاب إلى هناك للتّوسّل بهم من أجل مساعدة العراق في تلك الظّروف الّتي سبّبتها تلك الحماقة، فلم يلتقِ به أحد من الصّفوف المؤثّرة أصلاً.

وقد جاءت فكرة النّظام في صناعة مرجعيّة عربيّة حينها كالماء البارد على قلبه؛ فقبل بشروطها، وتماهى معها، واستلم مخصّصاتها، وبدأ وضعه الماليّ يتغيّر ويستقرّ شيئاً فشيئاً؛ فبعد أن كان يصعد العبريّة ويعاني ما يعاني، صارت لديه سيّارة، وتفتّحت أمامه أبواب الدّنيا.

وبدأ الشّهيد محمّد الصّدر يستخدم أساليب سوق وبازار النّجف عينها مع خصومه، ويوظّف شطارة باعتها مع منافسيه؛ فأخذ يسقّط هذا، ويفسّق ذاك، ويضغط على ثالث، ويبتزّ آخر، ووضع يده على مدارس منافسيه ومكتباتهم وأوقافهم، ووصل الصّراع لدى بعض مقرّبيه وموظّفي مكتبه إلى الدّم والقتل، بذريعة أنّ منافسيه يعيقون حركته ومهدويّته.

كما أخذ يستهوي الجماهير الّتي تعاني من فقر مادّيّ وعلميّ مدقع بالغرائب والسّحر والشّعوذة وفقه الفضاء وحكايات الأعلميّة والتّحدّي والمناظرات، واستقطب الشّباب بالخلاص من التّجنيد الإجباريّ أو بدفع البدل، وجواز الغشّ في الامتحانات، والاستيلاء على مجهول المالك، ونكح البواكر متعةً دون علم أهلهنّ... إلخ، من فتاوى وتسهيلات معروفة.

ولمّا رأى الأمور له مستقرّة، وخفقات النّعل خلفه مستمرّة، وجموع الفدائيّين حوله مستنفرة، حسب أنّ بإمكانه تركيع النّظام آنذاك كما ركّع عموم منافسيه، أو على الأقلّ حيّدهم ونكّس رؤوسهم؛ فأخذ في الأسابيع الأخيرة يتمرّد عليهم، وزامن هذا التمرّد عمليّات "ثعلب الصّحراء" والقصف الّذي قام بها الأمريكان، ويبدو أنّه قرأ ضعف النّظام آنذاك على أنّه فرصة تسمح له بحركة أوسع عليه تشبه ثورة السيّد الخميني، وتنتهي به وليّاً فقيهاً على عموم العالم؛ لكنّ النّظام تغدّى به قبل أن يتعشّى به، وانتهت حركته ومرجعيّته إلى كثير من الدّماء والسّجون والأرامل واليتامى.

وبعد السّقوط ظهر نتاج مرجعيّته واضحاً على مختلف المستويات؛ فمن عسكرة ومليشيات، إلى مرجعة وتمرجعات، إلى سلوكيّات وحركات باطنيّة، وعموم أصحاب هذه المشاريع خرجوا من عباءته "رحمه الله".

ويبدو أنّ السّبب الأساس في ذلك يعود إلى ذلك الطّموح الشّخصيّ الّذي كان يحمله؛ إذ كان يتصوّر أنّ الزّمان سوف يسمح له بأن يبسط قناعاته، ويغيّر ما يريد، ويُنتج طلّاباً، ويغيّر الحوزة وأساليبها وآليّاتها وطرائقها بالكامل؛ ولكن ما كلّ ما يتمنّاه المرء يدركه، فذهب هو وأولداه في شهادة وصفها هو نفسه بالباردة، وخسرته عائلته، ويُتّم أحفاده، ورُمّلت نساؤه.

ورغم أنّه حاول في الفترة الأخيرة من عمره تغيير طريقة تعامله مع خصومه ومنافسيه من المراجع وغيرهم، وألّا يذكرهم بسوء، وأن يستقطبهم أو يحيّدهم على أقلّ تقدير، وبعبارته: كنّا نذكر الآخرين بسوء، لكن بعد أن فتحها الله علينا أكثر من اللّازم فلا داعي للاستمرار بهذه الطّريقة؛ لكونها تنتج سلبيّات أكثر ممّا نتوقّعه من الإيجابيّات، لكنّ تغيير المسار جاء متأخّراً؛ لأنّ منهجه في تفسيق الآخرين وتسقيطهم كان قد أخذ موقعه في القلوب، وأسّس لمنهج لم يعد من السّهل تغييره.

ولهذا ساءت الظّنون به من مختلف الأطراف، وحتّى شهادته بهذه الطّريقة مع أولاده لم تغيّر القناعات القلبيّة لعموم منافسيه، وإن اضطرّوا إلى إظهار غير ذلك أمام الضّغط الجماهيريّ الهائل والخوف من ردود الأفعال؛ فحاولوا بشكل أو بآخر طيّ الصّفحة، خصوصاً مع المنحى الأخير الّذي نحاه نجله من الاعتزال الظذاهري والسّكوت وضبط الإيقاع بنحو أو بآخر؛ فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.