مشكلة حوزاتنا الكريمة أنّها لا تُربّي طلّاباً يُتقنون النّقد العلميّ المحايد والمجرّد لأساسيّات الدّين والمذهب ولو من أجل تعميقها وتنضيجها. وإنّما تسعى ـ بكلّ جهد ـ إلى تربية جيل يصبّ كلّ وُسعه على التّرقيع تلو التّرقيع، وإقناع عوام النّاس بحقّانيّة ما ولدوا عليه دون سؤال أو استشكال؛ فكلّما كان الأستاذ في الحوزة أكثر مهارة في التّرقيع، وأوسع خيالاً في التّلبيس، وأكثر إبداعاً في الإقناع الجدلي لا البرهاني، مع الحفاظ على البُنية والبناء، عُدّ في نظرهم محقّقاً ومدقّقاً. وهذا هو أصل الخلاف المبنائيّ معهم.

ولهذا يطلقون على أيّ إثارة أو تساؤل معرفيّ لا ينسجم مع مباني المذهب وصف الشّبهة، وعلى صاحبها: مُثير الشّبهات. ويزعمون أنّ أساسات الدّين والمذهب قد نوقشت واستوفي البحث فيها في علم الكلام بما لا مزيد عليه، وبالتّالي أُخذت بعنوان أصول موضوعة، ولا معنى للبحث فيها ولا النقاش حولها!!

لكنّ هذا في الحقيقة أوّل الكلام؛ إذ إنّ التسليم المطلق بما سُمّي أصولاً لا يعني بالضّرورة عصمتها من النقد أو إغلاق باب المراجعة، بل هي في الحقيقة بُنيت على جرفٍ هارٍ من التّلقينات الولاديّة الموروثة الّتي لا تصمد أمام النّقد الجادّ وحتّى بالأدوات الحوزويّة المتعارفة نفسها أيضاً، وخيرُ دليلٍ على بطلان الملزومات بطلان اللوازم، فتفطّن مليّاً، والله من وراء القصد.