قاتل المراجع الشّيخ محمّد خضير عبّاس حسّون الغانمي الكربلائي يحدّثنا عن دواعي جرائمه، ومنها: أنّه طلب من السيّد محمّد رضا السّيستاني أن يُعطيه مساعدة في زواجه، فطلب منه الأخير تزكية تقرّر أنّه طالب علم مستمرّ في تحصيله، لكنّه لم يستطع أن يوفّر له تزكية؛ لأنّ طلب التّزكية في اعتقاد هذا المجرم عمليّة احتيال بين السّيستاني ووكلائه من أجل دفعه ومنعه، ولهذا يدّعي بأنّ نجل السّيستاني طرده ولم يُعطه شيئاً ووصفه بالمتسوّل، وأنّ المجرم تشاجر معه وقال له: هذه ليست أموالك، بل هي أموال المسلمين!!

أقول: بمعزل عن وجهة نظرنا العامّة في أصل الأديان والمذاهب، فإنّ المنظومة الفقهيّة الاثني عشريّة، والمكتوبة في الرّسائل العمليّة لمراجع الطّائفة وفقهائها، تُقرّر وجود ضوابط محدّدة في موارد صرف هذه الأموال، وتختلف من الزّكاة إلى الخمس، وبالتّالي: فما طلبه السيّد محمّد رضا السّيستاني من الشّيخ المجرم على القاعدة وضمن الضّوابط المتّفق عليها، كما أنّ عدم منح الوكيل تزكية له فرضاً على القاعدة أيضاً؛ لأنّه لو كان طالب علم حقيقيّاً ولديه أساتذة معروفون يشهدون بحضوره ونباهته، فمن الطّبيعيّ أن يمنحوه تزكية، وهذا واقع معروف في الحوزة.

لكن: من هو الّذي لقّن هؤلاء المشايخ في زمن الحصار بأنّ هذه الأموال الّتي تصل إلى المراجع بعنوان ما يُسمّى بالخمس بقسميه هي أموال المسلمين، وأنّ موارد صرفها الفقهيّة هي موارد الزّكاة نفسها، وأنّ هؤلاء سرّاق يلعبون بها هم وأولادهم، ومن واجبهم أن يمنحوها لكم؛ لمجرّد أنّكم وضعتم عمامة على رؤوسكم؟!

وأيضاً: من الّذي سيطر على جميع المدارس بعد أن منحها له النّظام، وزرع هذه الأفكار التّحريضيّة في ساكنيها، وطرد جميع من يُخالفه ولا يؤمن بمرجعيّته وزعامته العامّة؟! وهل حقّاً أنّ نجل السّيستاني لم يمنحه مالاً أصلاً، أو كان وضعه الماليّ سيّئاً، وكانت دوافع الجريمة ماليّة لا غير؟!

لا شكّ في أنّي لا أريد أن أجعل بيئة برّانيّات المراجع ملائكيّة؛ ففيها كثير من القصور والتّقصير، ولكن هل يسمح ذلك لمراجعيها أن يتحوّلوا إلى قتلة وسرّاق؟!

وفي تقديري، وهذا ما تقرّره كثير من الوثائق: أنّ الموضوع أعمق من ذلك بكلّ تأكيد، وهناك مشروع ومخطّط أُريد تنفيذه من أجل تذليل العقبات والصّعوبات أمام مرجعيّة الشّهيد محمّد الصّدر، وبالتّعاون مع أجهزة النّظام أيضاً، وبتوصيات من القصر الرّئاسيّ نفسه، لكنّ تطوّره إلى مستوى الدّماء في خصوص المراجع الكبار دون اتّفاق وتوافق يعني أنّ مرحلة انتهاء التّخادم بدأت تدقّ عقاربها، وأنّ التمرّد على الحدود المرسومة لهذا المشروع قد بدأ يأخذ مساراً آخر، خصوصاً إذا كانت نتائجه ستُحسب على المرجعيّة الّتي راهن رأس النّظام على دعمها وتوسيعها، وتكشف أمام الجميع أنّ المقرّبين منها والعاملين في برّانيها هم أنفسهم المتّهمون بقتل المراجع ومحاولة اغتيالهم!!

وفي تقديري أيضاً: إنّ النّظام، حتّى في تلك اللّحظات الّتي بدأت فيها مؤشّرات تمرّد الصّدر عليه تظهر واضحة من خلال وقائع كثيرة سجّلتها أجهزته، لم يكن مستعدّاً للتّراجع عن قرار ترشيحه ودعمه؛ لأنّ القرار صدر من رأس رأس النّظام نفسه، وبقيت أجهزته ملتزمة بالحفاظ على هذه المرجعيّة ودعمها ونصحها وتوجيهها رغم تحفّظاتها عليها في بداية الأمر، لكنّها في الوقت نفسه كانت تريد إرجاع الصّدر إلى حدود التّفاهمات السّابقة، ومنعه من تجاوز الخطوط المرسومة له في علاقته بالحزب وأجهزته!!

ومن هنا أحتمل أنّ النّظام أراد توظيف هؤلاء المجرمين وجرائمهم كورقة ضغط على الصّدر نفسه، ومحاولة إركاعه وإرجاعه إلى بيئة التّخادم المتّفق عليها، وإفهامه بأنّ الخروج عن الحدود المرسومة قد يفتح عليه أبواباً لا يستطيع إغلاقها، خصوصاً مع وجود صلات وظيفيّة سابقة بين بعض هؤلاء المجرمين ومكتبه، وهي صلات كان من الممكن توظيفها لإحراجه وإثارة الشّبهات حول مرجعيّته وبطانته!!

وفي مقابل ذلك، يبدو لي أنّ الصّدر كان يدرك خطورة هذا الموضوع عليه وعلى مرجعيّته، ولهذا حاول بكلّ طريقة إبعاد الاتّهامات عنه بل وإلقائها على السّيستاني أيضاً، والحيلولة دون ذكر اسمه في اعترافات هؤلاء المجرمين، على فرض ثبوت تدخّله في هذا الجانب، بل إنّه صوّر احتمال إقحام اسمه وأسماء أولاده في هذه القضيّة بوصفه مسرحيّة يراد منها توريطهم، لولا عناية الله وفضله الّتي حالت دون ذلك، كما نصّ من كلامه المسجّل!!

وهنا مفارقة لافتة: أنّ النّظام كان يستطيع توظيف هذه الجرائم في اتّجاهين متقابلين ظاهراً، لكنّهما يلتقيان عند هدف واحد؛ فمن جهة يستثمر وجود هؤلاء المجرمين في محيط الصّدر للضّغط عليه وإعادته إلى الحدود المرسومة، ومن جهة أخرى يحافظ على أصل مشروع مرجعيّته، ولا يسمح بانهياره ما دام قادراً على الاستفادة منه في مواجهة المرجعيّات الأخرى!!

بيان ذلك: أنّ مضمون الاعترافات المتلفزة كان منسجماً مع الهدف البعثيّ العامّ من مشروع "تعريب المرجعيّة"؛ إذ جرى تقديم الجرائم بوصفها نتيجة خلافات ماليّة وشخصيّة مع المراجع الأجانب والفرس، وتصوير هؤلاء المراجع وكأنّهم لا ينفعون العراق وشعبه، ولا يُعطون طلّاب الحوزة حقوقهم بل يُرسلونها إلى الخارج، ولا يتعاملون معهم بما ينبغي، وبالتّالي: فمن الطّبيعيّ أن تتّجه الأنظار إلى المرجع العراقيّ الأكبر الّذي كان النّظام يدعم مرجعيّته ويوسّعها، وهو محمّد الصّدر لا غير!!

وبهذا تكون الاعترافات المتلفزة ـ وفق ما نقرأه ـ قد أدّت أكثر من وظيفة في وقت واحد: إبعاد الأنظار عن طبيعة علاقة المتّهمين بمكتب الصّدر، وإبقاء المضمون العامّ للجرائم منسجماً مع مشروع "تعريب المرجعيّة" وتذليل العقبات أمام المرجعيّة العراقيّة المدعومة من النّظام، مع الاحتفاظ بهذه الجرائم وصلات مرتكبيها كورقة ضغط يمكن توظيفها ضدّ الصّدر نفسه كلّما اقتضت الحاجة ذلك!!

وبعبارة أخرى: لم يكن النّظام بحاجة إلى إدانة الصّدر علناً لكي يضغط عليه، كما لم يكن بحاجة إلى إظهار علاقته به لكي يستثمر الاعترافات في ضرب صورة المرجعيّات غير العراقيّة؛ بل كان يستطيع أن يُبقي الصّدر تحت الضّغط من جهة، ويحافظ على مشروع مرجعيّته من جهة أخرى، ويُخرج الاعترافات إلى الجمهور بصورة تجعل المشكلة خلافات ماليّة وشخصيّة مع المراجع الأجانب والفرس لا غير، ويواصل نصحه للصّدر أيضاً بأمل أن يعود إلى الطّريق.

لكن يبقى السّؤال الأهمّ: هل كان هذا الانسجام بين مضمون الاعترافات وأهداف النّظام مجرّد اتّفاق في النّتائج، أم أنّ أجهزة النّظام تدخّلت فعلاً في توجيه الاعترافات وصياغة مضمونها، وحاولت توظيفها للضّغط على الصّدر وإرجاعه إلى حدود التّفاهمات السّابقة، مع الحفاظ على أصل مشروع مرجعيّته وعدم التّفريط به في حالة ما إذا رجع نادماً طالباً إلى حضنه السّابق؟!

سنعود إلى متابعة تفاصيل أكثر حول هذه الأسئلة في ضوء الوثائق والتّسجيلات اللّاحقة، فتدبّر وتأمّل وافهم، ولن تفهم، والله من وراء القصد.