أوضحت فيما تقدّم من بحوث أنّ الدّافع الأساس لنقدي للشّهيد محمّد الصّدر يتمثّل في اعتقادي أنّه يتحمّل القسط الأكبر من المسؤوليّة عمّا تولّد من انقسامات وتيّارات في عراق ما بعد ٢٠٠٣م؛ إذ خرجت من تحت عباءته تيّارات مليشياويّة، ومرجعيّة، وسلوكيّة… إلخ، وكانت ـ بدرجات متفاوتة ـ تنهل من خطابه وسلوكه وطموحاته، وطريقته في صناعةالزّعامة والقاعدة الجماهيريّة.
لكن لا ينبغي أن نغفل سبباً آخر لا يقلّ أهميّة: فالسّلفيّة والرّاديكاليّة الشّيعيّة بطريقتها العراقيّة تبدوان ـ بحسب قراءتي ـ وليداً طبيعيّاً لكثير ممّا أسّس له رحمه الله؛ ولهذا تجد بين معظم محبّيه الأوائل غلظةً شديدةً في تقديسه، ورفضاً شبه مطلق لاحتمال خطئه أو اشتباهه؛ بل قد تصبح في نظر جلّهم كافراً بكلّ المقدّسات لمجرّد أن تحتمل، ولو بنسبة واحد بالمئة، أنّه لم يكن محيطاً ببعض المسائل أو أنّه أخطأ فيها!!
وهذا يعود في جانب منه إلى الغلوّ في محبّته والتأثّر الشّديد به، وإلى ضيق دائرة التّجربة وعدم الاحتكاك بمدارس وتجارب أخرى، والأهمّ من ذلك: عدم قراءة تراث غيره والاطّلاع عليه بعيداً عن لغة القداسة والتّسليم المسبق.
وفي النّهاية، مهما افترضنا من قداسةٍ للأشخاص، فإنّهم بشر، ومحكومون بالقوانين البشريّة نفسها؛ يخطئون ويصيبون، يعرفون ويجهلون، ولا عصمة لكائن بشريّ على وجه المعمورة منذ انبثاقها إلى يومنا قطّ.
ولهذا قلنا ونقول: حتّى لو لم يكن الرّاحل الشّهيد قاصداً أو داعماً لما ظهر في حينه وما بعد ذلك من مظاهر التطرّف في نوع المتأثّرين به، فإنّه لا يُعفى من مسؤوليّة تأسيس البيئة الّتي سمحت بنموّ ذلك؛ فقد قرّب شعيطاً ومعيطاً وجرّار الخيط، ومنح كثيرين منهم مساحةً واسعةً للحركة، وأطلق العنان لقاعدة جماهيريّة كبيرة من دون أن يضع لها من الضّوابط الفكريّة والنقديّة ما يكفي لمنع الانفلات بعد غيابه، وسنزيد من توثيق هذه المدّعيات بمقاطع مرئيّة وصوتيّة واستفتاءات خطيّة كذلك لسماحته، فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.