توضيحاً للواضحات، وبغية إغلاق الأفواه الفاغرة الّتي تتشدّق بحكاية أعلميّة الشّهيد محمّد الصّدر، يحسن بي أن أشير إلى تجلٍّ يسير جدّاً ـ والتّجلّيات كثيرة أيضاً ـ ممّا كان يعاني منه "رحمه الله" من نقص المصادر وبعثرة المعلومات في جميع الحقول والاختصاصات على حدّ وصفه؛ وهي أمور كان ينبغي أن تمنعه من ادّعاء الأعلميّة أكيداً، بل وحتّى أقلّ من ذلك بكثير أيضاً، ما دام لا يتوفّر على طريق لعلاج هذا النقص وتتميمه، وكيف يُمكن تتميمه وهو يُسابق الزّمن في سبيل تثبيت مرجعيّته بصرف الادّعاءات.
ولكي نغلق الطّريق أمام المبرّرين ممّن لم تهمّهم المعرفة يوماً بقدر ما كانت العاطفة الممزوجة بالعشائريّات المذهبيّة هي الحاكمة عليهم، سأستعين بما طرحه "رحمه الله" في مجلس درسه الخارج، في أيّام طرح مرجعيّته العامّة والعليا، وادّعائه الأعلميّة على عموم مجايليه، بل وأساتذته الأموات أيضاً، وادّعائه ولاية الفقيه العامّة كذلك على عموم الكرة الأرضيّة. وقبل ذلك سأذكّر بمقدّمة رجاليّة بسيطة:
المعروف في الأوساط العلميّة الاثني عشريّة أنّ عليّ بن يقطين وولديه الحسن والحسين موثّقون، ولا حاجة إلى البرهنة على هذا الموضوع واستقصاء شواهده؛ فهذه مسألة يُفترض أنّ أيّ طالب حوزة محصّل يعرفها، وينبغي أن تكون من بديهيّاته. ومع هذا نقول:
قال شيخ الطّائفة الاثني عشريّة، الطّوسي، المتوفّى سنة: "460هـ": "علي بن يقطين رحمه الله، ثقة، جليل القدر، له منزلة عظيمة عند أبي الحسن موسى، عظيم المكان في الطائفة" (1).
وقال أيضاً: "الحسن بن عليّ بن يقطين: ثقة. الحسين بن عليّ بن يقطين: ثقة" (2).
لكنّ الغريب واللّافت أنّ المرحوم محمّد الصّدر، حينما استعرض رواية جاء في سندها: "الحسن بن عليّ بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن عليّ بن يقطين..." قال ما نصّه:
"من حيث السّند يبدو أنّها ليست معتبرة؛ فعليّ بن يقطين له باب وجواب إنّه موثّق، وإن كان غير واضح إلى هذه الدّرجة الذّاتيّة، ولكنّه أولاده كأنّهم لم يوثّقوا أكيداً" (3).
وهذا الكلام مؤسف جدّاً، ولا نزيد؛ ولا تفسير له ـ إذا ما أحسنّا الظنّ بالمرحوم الشّهيد ـ إلّا أن نتمسّك بكبرى قلّة المصادر لديه وبعثرة المعلومات في مختلف الحقول والاختصاصات، الّتي نصّ عليها بنفسه؛ كما أنّ احتمال الغفلة والاشتباه في حال ثلاثة رواة منصوص على وثاقتهم بالخصوص بعيد جدّاً، فلاحظ ولا تغفل.
آمل أن يتفهّم محبّو سماحته التّمييز جيّداً ما بين شجاعته وإقدامه وورعه وتقدّسه وتنسّكه وحرصه وتفانيه وعبادته وإخلاصه الّتي يدّعوها له، وما بين علمه وإحاطته وحقّانيّة طروحاته؛ ولا ينبغي إعطاء حكم الأوّل للثّاني على الإطلاق، ومن دون هذا التّمييز لن نبني معرفة، ولا علماً، ولا مجتمعاً صالحاً أيضاً، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.

لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.