لعلّي لا أبالغ إذا ما قلت: إنّ الخطبة المنسوبة لزينب بنت عليّ بن أبي طالب في الشّام أضحت جزءاً لا يتجزّأ من ثقافة المنبر الحسينيّ المعاصر بعرضه العريض، لتتحوّل إلى مصدر إلهام أساس للشّعراء والملالي والوعّاظ والخطباء وبعض المراجع أيضاً في رسم صورة الأحداث الحاصلة بين كربلاء والشّام بعد مقتل الإمام الحسين، ونشرها كثقافة عاشورائيّة مستحكمة استحكام الفولاذ، ناهيك عن أنصار الحركات الثّوريّة المسلّحة، وتغنّيهم بهذه الشّعارات.
لكنّ التّحقيق: يكشف عن إنّ نسبة هذه الخطبة إلى زينب بنت عليّ محلّ تأمّل كثير، بل تطمئنّ النّفس بكونها من موضوعات القرن الثّالث الهجريّ على طريقة وضع الخطبة الفدكيّة المنسوبة لإمّها فاطمة أيضاً؛ وذلك لأنّ أقدم مصدر لهذه الخطبة هو كتاب "بلاغات النّساء وجواباتهنّ" لابن طيفور البغدادي المتوفّى سنة: "280هـ"، الكتاب الّذي يُعدّ أحد أجزاء كتابه المسمّى بـ: "المنثور والمنظور"، وقد جاءت فيه دون سند أصلاً، ولا ندري: كيف تمكّن الرّواة من حفظ هذه الخطبة وإخفاء مفرداتها ومضامينها حتّى قدّر الله لابن طيفور بعد مرور قرنين من الزّمن اكتشافها؟!
#أمّا التّراث الإثني عشريّ فقد خلت المصادر الأمّ من أيّ إشارة لهذه الخطبة لا من قريب ولا من بعيد، وأمّا المصادر الّتي تلتها أو المتأخّرة فقد جاءت الخطبة فيها من دون سند أيضاً من قبيل ما جاء في "الاحتجاج": «روى شيخ صدوق من مشايخ بني هاشم وغيره من النّاس...»(1)؛ أو في "الّلهوف": «قال الرّاوي: فقامت زينب بنت عليّ بن أبي طالب "ع"...»(2)، كما حمل بعضها إضافات كثيرة لها أيضاً.
نعم؛ جاء في النّسخة المطبوعة من كتاب مقتل الحسين للخوارزمي الّذي قيل إنّه توفّي سنة: "568هـ" سند مضحك مملوء بالمجاهيل لهذه الخطبة، وعلامات الوضع المتأخّر عليه بيّنة وواضحة، وقد قلنا في دراسات سابقة:
إنّ المقتل المطبوع والمنسوب للخوارزمي لا اعتبار له عندنا؛ وذلك لعدم ثبوت كونه للخوارزمي أوّلاً، وعدم وجود أيّ قيمة للنّسخة الّتي اُعتمد عليها في طباعته ثانياً؛ وعدم ثبوت وثاقة وأمانة المرحوم محمّد السّماوي ناسخ وطابع الكتاب في هذا الخصوص ثالثاً، فليُتأمّل.
بيد أنّ نفي هذه الخطبة لا يعني إنكار ورود رواية تتحدّث عن وقوع ملاسنة كلاميّة قصيرة بين السيّدة زينب بنت عليّ وبين يزيد بن معاوية في البلاط الأموي؛ فقد روى الطّبري المتوفّى سنة: "310هـ" عن أبي مخنف بعض السّطور القليلة في ذلك حينما طلب شيخ من أهل الشّام أحمر من يزيد أن يهب له فاطمة أختها أو بنت أخيها ـ كما عدّلت الرّواية في الإرشاد ـ (3)، لكنّ هذه الرّواية لا تصحّح هذه الخطبة الطّويلة، بمفرداتها وإيقاعها المتأثّر بطبيعة النّثر والبيان والاستدلال المولود في القرن الثّالث الهجريّ فتفطّن.
فإذا عرفت حقيقة هذه الخطبة وفقدانها لأيّ مصدر معتبر فضلاً عن وجود سند لها تعرف حينذاك ما في الكلام الشّاعريّ الّذي صدر من المرحوم محمّد حسين كاشف الغطاء المتوفّى سنة: "1373هـ" حيث قال في وصف الخطبة: «ألابحرمة الإنصاف والحقيقة قل لي: أتستطيع ريشة أعظم مصوّر وأبدع ممثّل أن يمثِّل لك حال يزيد وشموخه بأنفه، وزهوه بعطفه، وسروره وجذله باتّساق الأمور، وانتظام الملك، ولذّة الفتح والظفر، والتشفّي والانتقام، بأحسن من ذلك التّصوير والتّمثيل... إلخ» (4).
ومثل هذا الكلام غريب منه جدّاً؛ إذ كان ينبغي عليه أن يُثبت صدور هذا الكلام منها بدليل ولو ضعيف ومن ثمّ يُصار إلى بناء استدلالات طويلة عريضة عليها، لكنّ المؤسف إنّ هذه الخطبة أصبحت مصدر إلهام أساس للمنبر الحسينيّ المعاصر كما نوّهنا.
وأخيراً: ما نتمنّاه على متتبّعي الخطباء ومتديّنيهم أن يبتعدوا عن ذكر هذه الخطبة واستنتاج الأحداث من خلالها؛ لعدم وجود المسوّغ العلمي فضلاً عن الدّيني لذلك، أمّا تبرير هذه الممارسات بقال الرّاوي ولسان الحال فهذا عذر ربّما يمكن تقبّله من جهلة الخطباء وسّذّجهم، لكنّ صدوره من متتبّعيهم ومتديّنيهم فهو قبيح جدّاً، فكيف إذا صدر من مرجعيّات دينيّة وعلماء تُعقد الآمال عليهم، الّلهم أرنا الحقّ حقّاً فنتّبعه وأرنا الباطل باطلاً لنجتنبه، وأنت دائماً وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.