إذا ما أردنا مراجعة التّراث الاثني عشريّ فضلاً عن غيره ـ وهذه قيود مهمّة لمن يفقه لغة القيود ـ فإنّ العلاقة الزّوجيّة بين عليّ بن أبي طالب وعقيلته السيّدة فاطمة بنت محمّد "ع" كانت مضطربة تماماً وغير مستقرّة أصلاً؛ حيث نلاحظ أنّ فاطمة "ع" كانت ممانعة لأصل هذا الزّواج ورافضة له في بداية الأمر؛ لأنّ نسوة المدينة كنّ قد نقلن لها صورة غير محبّبة عن عليّ "ع"؛ فقد جاء في الرّواية: إنّ «فاطمة "ع" لا يذكرها أحد لرسول الله "ص" إلا أعرض عنه، حتى أيس الناس منها، فلما أراد أن يزوجها من عليّ أسرّ إليها، فقالت يا رسول الله أنت أولى بما ترى، غير أنّ نساء قريش تحدّثني عنه أنّه رجل دحداح البطن، طويل الذّراعين، ضخم الكراديس، أنزع، عظيم العينين، لمنكبيه مشاشاً كمشاش البعير، ضاحك السنّ، لا مال له...». [تفسير القمّي: ج2، ص336].
وبعد الزّواج كانت تلوم أباها غير مرّة ؛ لأنّه زوّجها بالمهر الخسيس؛ إذ روي «إنّ عليّاً تزوّج فاطمة "ع" على جرد برد، ودرع، وفراشٍ كان من إهاب كبش» فقط، وإنّ الدّرع«يسوى ثلاثين درهماً»، «وكان فراشها إهاب كبش يلقيانه ويفرشانه، وينامان عليه»، ولهذا روي عتابها لأبيها "ص" وامتعاضها قائلة له: «زوّجتني بالمهر الخسيس!!»، فأجابها "ص": «ما أنا زوجتك؛ ولكن الله زوّجك من السّماء، وجعل مهرك خمُس الدّنيا ما دامت السّماوات والأرض»، وروي أيضاً: إنّه دخل عليها بعد الزّواج فرآها «تبكي، فقال لها: ما يبكيك، فو الله لو كان في أهلي خير منه ما زوجتكه، وما أنا زوجتكه، ولكنّ الله زوّجك، وأصدق عنك الخمس ما دامت السماوات والأرض». [الكافي: ج5، ص377ـ 378].
ويبدو إنّ العلاقة الزّوجيّة لم تنتج مودّة ورحمة تمنعان من اضطرابها وتأزّمها؛ إذ بدأت المشاكل العميقة تطفو على السّطح وأمام الملأ العامّ، لكنّ المفرح أنّ رسول "ص" كان يدخل على الخطّ للإصلاح بينهما بشكل دائم كأب تهمّه مصلحة بنته واستقرار حياتها الزّوجيّة؛ وذلك إمّا من خلال التّرغيب أو التّرهيب؛ وعلى سبيل المثال: روى الصّدوق صحيحاً عنده عن أبي هريرة قوله: «صلّى بنا رسول الله "ص" الفجر ثمّ قام بوجه كئيب وقمنا معه، حتّى صار إلى منزل فاطمة "ع"، فأبصر عليّاً نائماً بين يدي الباب على الدّقعاء، فجلس النبي "ص" فجعل يمسح التّراب عن ظهره، ويقول: قم؛ فداك أبي وأمي يا أبا تراب، ثمّ أخذ بيده ودخلا منزل فاطمة فمكثنا هنيئة، ثم سمعنا ضحكاً عالياً، ثمّ خرج علينا رسول الله "ص" بوجهٍ مشرق، فقلنا: يا رسول الله دخلت بوجهٍ كئيب وخرجت بخلافه؟! فقال: كيف لا أفرح وقد أصلحت بين اثنين أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء» [علل الشّرائع: ص155].
لكنّ المشاكل لم تستقرّ أصلاً حتّى بعد فترة لا بأس بها من زواجهما وإنجابهما أيضاً، بل تفاقمت وتطوّرت أكثر وأكثر، حتّى وصلت إلى أوجها حينما أراد عليّ "ع" الزّواج عليها من بنت أبي جهل أو حصلت إشاعة حول ذلك حسب ما هو مرويّ في التّراث السُنّي والشّيعي معاً؛ حيث غضبت فاطمة وانزعجت جدّاً من ذلك، وغضب أبوها لغضبها وارتقى المنبر قائلاً: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني»، و «إنّ فاطمة منّي، وأنا أتخوّف أن تُفتن في دينها»، «وإنّي لست أُحرّم حلالاً، ولا أُحلّ حراماً، ولكنّ والله لا تجتمع بنت رسول الله "ص" وبنت عدوّ الله أبداً»، وروي عنه "ص" أيضاً قوله: «إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أنّ يُنكحوا ابنتهم عليّ بن أبي طالب، فلا آذن، ثمّ لا آذن، ثمّ لا آذن، إلّا أن يُريد ابن أبي طالب أن يُطلّق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنّما هي بضعة منّي، يُربيني ما أرابها، ويؤذيني ما آذاها"، هكذا قال».[صحيح البخاريّ؛ صحيح مسلم، مواضع مختلفة].
بلى؛ بسبب هذا الموقف ـ كما في رواية المرحوم الصّدوق ـ دخل على السيّدة فاطمة "ع" «من الغيرة ما لا تملك نفسها؛ وذلك: أنّ الله تبارك وتعالى كتب على النّساء غيرةً، وكتب على الرّجال جهاداً، وجعل للمُحتسبة الصّابرة منهنّ من الأجر ما جعل للمرابط المُهاجر في سبيل الله، فاشتدّ غمُّ فاطمة من ذلك، وبقيت مُتفكّرةً هي حتّى أمست وجاء الّليل، حملت الحسن على عاتقها الأيمن، والحسين على عاتقها الأيسر، وأخذت بيد أمّ كلثوم اليسرى بيدها اليُمنى، ثمّ تحوّلت إلى حُجرة أبيها، فجاء عليّ فدخل حجرته فلم ير فاطمة، فاشتدّ لذلك غمّه وعظم عليه، ولم يعلم القصّة ما هي، فاستحى أن يدعوها من منزل أبيها، فخرج إلى المسجد يُصلّي فيه ما شاء الله، ثمّ جمع شيئاً من كثيب المسجد واتّكأ عليه.
فلمّا رأى النّبي ما بفاطمة من الحُزن أفاض عليها من الماء، ثمّ لبس ثوبه ودخل المسجد، فلم يزل يُصلّي بين راكع وساجد، وكلّما صلّى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحُزن والغمّ؛ وذلك أنّه خرج من عندها وهي تتقلّب وتتنفّس الصّعداء، فلمّا رآها النّبيّ "ص" أنّها لا يُهنيها النّوم وليس لها قرار، قال لها: قومي يا بُنيّة، فقامت، فحمل النّبيّ "ص" الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أمُ كلثوم، فانتهى إلى عليّ "ع" وهو نائم، فوضع النّبيّ "ص" رجله على رجل عليّ فغمزه، وقال: قم يا أبا تراب، فكم ساكن أزعجته، ادع لي أبا بكر من داره، وعمر من مجلسه، وطلحة، فخرج عليّ فاستخرجهما من منزلهما، واجتمعوا عند رسول الله "ص". فقال رسول الله "ص": يا عليّ، "أما علمت أنّ فاطمة بضعة منّي وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي...». [علل الشّرائع: ج1، 184].
ولم ينته الأمر إلى هذا الحدّ؛ فقد روى المرحوم الصّدوق المتوفّى سنة: "381هـ" مضموناً صحيحاً عنده ـ وهذا هو المهمّ ـ وإن كان راويه الأوّل يعاني من مشكلة تاريخيّة رُبّما يمكن رفعها عن طريق افتراض التّصحيف مثلاً، مضمون يكشف عن طبيعة العلاقة المضطربة والمتأزّمة بينهما "ع"، ويضع علامة استفهام كبيرة جدّاً على حكاية العصمة وعرضها العريض؛ حيث يروى: «أنّ جارية قيمتها أربعة آلاف درهم كانت قد أهديت إلى جعفر بن أبي طالب حينما كان في الحبشة، ولمّا قدم إلى المدينة أهداها لعلي "ع" تخدمه، فجعلها علي "ع" في منزل فاطمة، فدخلت فاطمة "ع" يوماً فنظرت إلى رأس علي "ع" في حجر الجارية، فقالت: يا أبا الحسن فعلتها؟! فقال: لا والله يا بنت محمد؛ ما فعلت شيئاً، فما الّذي تريدين؟ قالت: تأذن لي في المصير إلى منزل أبي رسول الله "ص"، فقال لها: قد أذنت لك، فتجلببت بجلبابها وتبرقعت ببرقعها وأرادت النبي "ص"، فهبط جبرئيل "ع" فقال: يا محمد إنّ الله يقرئك السلام، ويقول لك: إنّ هذه فاطمة قد أقبلت إليك تشكو عليّاً فلا تقبل منها في عليّ شيئاً، فدخلت فاطمة فقال لها رسول الله "ص" جئت تشكين عليّاً؟ قالت: إي و رب الكعبة، فقال لها: ارجعي إليه فقولي له: رغم أنفي لرضاك...إلخ». [علل الشّرائع: ص163].
ولعلّ من يرجع إلى ذيل ما يُسمّى بالخطبة الفدكيّة عندهم ـ والّتي اشتقوّا منها مقولات مذهبيّة عميقة رغم كونها موضوعة عندنا ـ يُلاحظ قسوة شديدة من السيّدة فاطمة "ع" تجاه زوجها عليّ بن أبي طالب "ع"؛ حيث لم يصطفّ معها في المطالبة بما سمّته بنحلة أبيها، فقالت له إثر ذلك: «يا ابن أبي طالب: اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل، هذا ابن أبي قحافة يبتزني نحيلة أبي وبلغة ابني، لقد أجهر في خصامي، وألفيته ألدّ في كلامي، حتى حبستني قيلة نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت خدّك يوم أضعت حدّك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً، ولا أغنيت باطلاً، ولا خيار لي، ليتني مت قبل هنيئتي، ودون زلتي، عذيري الله منك عادياً، ومنك حامياً، ويلاي في كلّ شارق، مات العمد، ووهت العضد، شكواي إلى أبي، وعدواي إلى ربي، اللهم أنت أشدّ قوة وحولاً، وأحد بأساً وتنكيلاً». [الاحتجاج نقلاً عن نسخة صاحب البحار: ج29، ص234].
ولعلّ من شواهد استمراريّة هذا الاضطراب في العلاقة هو زواج عليّ "ع" السّريع بعد رحيلها من إمامة بنت أبي العاص ـ والّتي هي بنت زينب أخت السيّدة فاطمة "ع" ـ بعد أيّام قليلة جدّاً من رحيلها وإن قيل إنّ ذلك بوصيّة منها. [معرفة الصّحابة: ج5، ص192؛ بحار الأنوار: ج43، ص217].
وأخيراً وليس آخراً: فإنّ ما أريد أن أقرّره هنا بوضوح: إنّ التّراث الرّوائي يكشف عن هذه الحقيقة بوضوح، ويكشف أيضاً عن: مساعٍ إثني عشريّة هائلة ربّما بدأت من المرحوم الصّدوق فما بعد من أجل ترتيب إنّ هذا الزّواج كان بأمر وإعداد ووليمة وطبخ وزفّاف وهلاهل سماويّة كبيرة جدّاً، وإنّ هناك أنواعاً من الملائكة بأجنحة مختلفة قد شاركت فيه فضلاً عن الدّور الّذي لعبه ملك عظيم سمّوه بصرصائيل بأوصاف عجيبة غريبة، وإنّ بيت عليّ "ع" كان قد حضر فيه في وقتها أربعة آلاف نفر للوليمة ولم ينقص من الطّعام شيء!! [أمالي الطّوسي: ص42].
بلى؛ كلّ ذلك لتعويض ما كانت تعاني منه فاطمة "ع" من فقدان في هذا المضمار كشفت عنه النّصوص نفسها، ولهذا روي: إنّ أم أيمن دخلت على النّبي "ص" وفي ملحفتها نثار من عرس إحدى النّساء في وقتها، فعاتبت النّبيّ "ص" قائلة له: «يا رسول الله فاطمة زوّجتها ولم تنثر عليها شيئاً»، فما كان من الرّسول إلّا أن يُجيبها بلغة حادّة جدّاً كما في الرّواية قائلاً: «يا أم أيمن لم تكذبين؟! فإنّ الله تبارك وتعالى لمّا زوجت فاطمة عليّا "ع" أمر أشجار الجنّة أن تنثر عليهم من حُليّها وحُللها وياقوتها ودرّها وزمردها وإستبرقها، فأخذوا منها ما لا يعلمون، ولقد نحل الله طوبى في مهر فاطمة "ع" فجعلها في منزل عليّ "ع"». [أمالي الصّدوق: ص287].
ولم تقتصر الغرابة على هذا الحدّ؛ بل ولدت نصوص روائيّة لاحقة عن لحظة زواجهما تهدف لعلاج الاضطرابات الشّديدة الحاصلة فيما بينهما "ع" بعد نيّة عليّ "ع" الزّواج أو حصول شائعة حول ذلك؛ حيث روى شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: "460هـ" بإسناده الصّحيح عنده والمعتبر عند جملة منهم عن أبي بصير عن الصّادق "ع" إنّه قال: «حرّم الله النساء على علي "ع" ما دامت فاطمة "ع" حيّة»، ولمّا سأله أبو بصير مستغرباً عن سبب ذلك ـ خصوصاً وإنّه يناقض تماماً ما روي عن الرّسول "ص" في هذا الخصوص كما تقدّم ـ أجابه بجواب غريب يقرّر: «لأنّها طاهرة لا تحيض». [تهذيب الأحكام: ج7، ص475].
وهذا الجواب ـ إذا ما أردنا الانسياق معه ـ يهدف إلى حصر دواعي الزّواج الثّاني من قبل الرّجل بوجود المانع الطّبيعيّ الشّهري أو السّنويّ الّذي يعتري النّساء ولا يوجد هناك أيّ أسباب أخرى!! مع أنّ هذا الكلام غريب للغاية، وتكذّبه سيرة الصّادق "ع" العمليّة والاجتماعيّة أيضاً؛ إذ من المحتمل أن تكون دواعي الزّواج الثّاني هو عدم الانسجام وفقدان التّفاهم مع الزّوجة الأولى مثلاً، على أنّ أسبابه غير محصورة في الأعراف الإسلاميّة أو غيرها غير محصورة بذلك أيضاً.
وتجاوزت مديات المعضلة هذا الحدّ حتّى ولدت نصوص روائيّة أخرى تستند إلى عدم الانسجام الحاصل بين عليّ وفاطمة "ع" وتُريد في الوقت نفسه تبرير ما حصل بينهما أيضاً؛ حيث أفتى بعض الأخبارييين الإثني عشريّة بعدم جواز الجّمع بين الفاطميّتين أيضاً، والفاطميّة تعني: العلويّة بالاصطلاح الشّيعي المتداول، بل ذهب صاحب الحدائق إلى بطلان العقد على الفاطمية الثانية، ومستندهم في ذلك رواية واحدة رُوي فيها عن الصّادق "ع" القول: لا يحلّ لأحدٍ أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة "ع"؛ إن ذلك يبلغها فيشقّ عليها، فقال له الرّاوي: يبلغها؟! قال "ع": إي والله. [علل الشّرائع: ج2، ص590؛ تهذيب الأحكام: ج7، ص462]، لكن معظم الفقهاء الأصولّيين أنكروا دلالة الرّواية على الحرمة، وناقش آخرون في سندها، ليميل بعض الفقهاء المعاصرين إلى الكراهة احتياطاً كالسيّد السيستاني نموذجاً. [المنهاج: ج3، ص61].
وهذا يكشف بوضوح عن أنّ التّلقّي العامّ لهذا الموضوع والّذي فهمه الأئمّة من ولدها أيضاً ـ كما هو المرويّ عندهم ـ هو إنّ حديث #غضب_فاطمة يرتبط بالزّواج عليها فقط، ولهذا جاءت الرّوايات المانعة من التّزوج بثانية على من كانت له علويّة، وعلّلوا ذلك بكونه يوجب غضبها وأذيّتها، ومن هنا سجّل المرحوم الخوئي تحفّظاته السليمة على هذا النّمط من التّفكير قائلاً: «فمجرد تأذّي فاطمة "ع" لا يقتضي حرمته». [مباني تكملة المنهاج المطبوع ضمن الموسوعة: ج32، 364].
وفي النّهاية أقول: لا أريد أن استعرض النّصوص جميعاً والمواقف الكاشفة عن هذا الاضطراب في النصّوص الرّوائيّة، لكنّي أ أمل أن يتحمّل القارئ الاثنا عشريّ الجادّ مثل هذه السّطور الجريئة بصدر علميّ رحب، وأن يراجع النّصوص والمصادر الّتي حملتها السّطور بعد أن يرفع نظّارته المذهبيّة البغيضة ليكتشف حقائق كثيرة غابت وغُيّبت بقصد عنه، وله القرار حينذاك في أن يبقى داخل دهليزه المذهبيّ يأكل ويشرب كما يأكل غيره بدنيّاً وفكريّاً بل ويترزّق أيضاً، أو يسلك طريقاً آخر متجاوزاً هذا التقهقر والظّلاميّة، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.