خلافاً للتصوّر السّائد لدى بعض معاصري الشّهيد محمّد الصّدر وزملائه، من كونه رجلاً بسيطاً ساذجاً، بعيداً عن تجاذبات المرجعيّة وعرّابيها وأساليب صناعتها، فأنا أذهب ـ في ضوء ما وقفت عليه بدقّة من تراثه المرئي والمسموع والمكتوب بعرضه العريض ـ إلى أنّه "رحمه الله" كان يتظاهر بالبساطة والسّذاجة عمداً حفاظاً على حياته وتمهيداً لما يُخطّط له مستقبلاً أيضاً، وكان في الوقت نفسه واعياً لجميع أساليب صناعة المرجعيّات الدّينيّة، ويعرف زواغيلها وشيطنتها ودروبها تماماً، وقد مزج ذلك بشطارة أبناء سوق النّجف، وكان يعرف من أين تُؤكل الكتف؛ ولهذا جعل خصومه حيارى في كيفيّة التّعامل معه.

وكيف لا يكون كذلك، وهو الّذي عاصر وعايش مراحل صناعة مرجعيّات السيّد محسن الحكيم، وأضدادها من السيّد عبد الهادي الشّيرازي والسيّد محمود الشّاهرودي الكبير، ثمّ مرجعيّات الخوئي والخميني والصّدر، كما درس وواكب كلّيّة منتدى النّشر وزعيمها محمّد رضا المظفّر، ثمّ شهد ما تلا ذلك من صراعات على خلافة الخوئي بين السّبزواري، والگلبايگاني، والأراكي، ومحمّد الرّوحاني، والسّيستاني، والغروي، والبروجردي... إلخ.

كما كانت "عقدة آل الصّدر" تشكّل هاجساً واضحاً في تعامله مع منافسيه؛ إذ كان يرى أنّ المرجعيّات الرّسميّة سلبت أستاذه وابن عمّ والده السيّد محمّد باقر الصّدر حقّه وموقعه الّذي يستحقّه، وأنّ لآل الصّدر حقّاً في هذا المضمار ينبغي أن يعود إليهم. ولهذا كانت آثار تلك المناكفات والخصومات القديمة حاكمةً على جانب مهمّ من وعيه وتحركاته وطريقة تعامله مع منافسيه من باقي الأُسر المعروفة.

وقد سعى بطريقة ممرحلة وهادئة للوصول إلى المرجعيّة بعد مقتل أستاذه وابن عمّ والده السيّد محمّد باقر الصّدر مطلع الثّمانينيّات، وأخذ يمهّد لذلك بالتّدريج، وكان العوز المادّي دافعاً مشروعاً أيضاً بحسب ظروفه آنذاك؛ فأخذ يُعلّق على وسيلة النّجاة للأصفهاني، وبلغة الرّاغبين لخاله السيّد مرتضى آل ياسين، ومنهاج الصّالحين للخوئي والصّدر، وكذلك الفتاوى الواضحة للأخير... إلخ؛ تمهيداً لطرح رسالته العمليّة وطباعتها حين تحين الفرصة المناسبة.

وكان يدرك أيضاً أنّ الاعتراف بمرجعيّته من داخل الحوزتين النّجفيّة والقميّة لن يكون أمراً سهلاً إن لم يكن مستحيلاً، وأنّ أقصى ما يمكن أن يمنحه كثير من أقرانه وأساتذتها هو وصفه بالفاضل، لا الاعتراف له بالاجتهاد والأعلميّة والمرجعيّة على النّحو الّذي كان يطمح إليه. ومن هنا رأى أنّ أحد أنجع الطّرق لتثبيت مرجعيّته هو طرح الادّعاءات والتّحدّيات الكبيرة أمام مجتمع كان يعاني فقراً فكريّاً ومادّيّاً رهيباً، ويمنح العمامة رصيداً مقدّساً سابقاً على فحص دعاوى مرتديها وأدلّتها؛ فجرى ترسيخ فكرة إمكان إثبات الاجتهاد والأعلميّة بطريق التحدّي وطلب المناظرة والإشراقات العرفانيّة، وكأنّ عدم استجابة الآخرين لهذا التحدّي دليلٌ كافٍ على ثبوت الاجتهاد أو الأعلميّة!!

والأخطر من ذلك كلّه أنّه ـ رحمه الله ـ كان يرى لنفسه حريّة حركة وصلاحيّات أوسع ممّا تقرّره الضّوابط الفقهيّة المتعارفة عند كثير من مراجع عصره؛ انطلاقاً من المنحى العرفانيّ والسّلوكيّ الّذي ادّعاه لنفسه، والّذي كان يسمح له ـ وفق تصوّره ـ بما لا تسمح به ظواهر الأدلّة والفقه المتداول لغيره. ولهذا كان يضرب هذا بفتوى، ثمّ يعود ليصعّد على ذاك، ويتعامل مع خصومه بمنطق البازار والمساومة، ويتراجع أحياناً، ويرفع السّقف أحياناً أخرى، بحسب ما تقتضيه المرحلة وتقديراته لموازين القوّة.

كما كان يرى أنّ التّماهي الممرحل مع أهداف الدّولة الظّالمة لا إشكال فيه متى ما حقّق ـ حسب تقديراته ـ هدفاً أو أهدافاً نبيلة. ومن هنا تلاقت حركته في مرحلة ما بعد وفاة السيّد الخوئي مع توجّه الدّولة آنذاك نحو إبراز مرجعيّة عراقيّة وتسليم مقدّرات الحوزة إليها، كما أُذن له بإقامة صلاة الجمعة، وتهيّأت له مساحة واسعة للحركة كما لا يخفى.

وقد ساهم في توسيع نطاق مرجعيّته أيضاً ما مُنح له من خصائص وصلاحيّات في علاقته بالدّولة؛ ومن ذلك ـ وحسب ما نصّه هو نفسه في أكثر من موضع ـ أن أصبحت معاملات إقامة عموم طلّاب الحوزة وأساتذتها الأجانب وكذا مراجعها أيضاً تمرّ من خلاله شخصيّاً، كما أصبح قبول الطلّاب العراقيّين في الحوزة وما يرتبط بإعفائهم من الخدمة العسكريّة الإلزاميّة مرتبطاً به بدرجة كبيرة، ولهذا ازداد توّجه الشّباب نحو الحوزة في ذلك الوقت لا سيّما في ظروف الحصار والعوز الخانقة(1).

وفي هذا السّياق سُمح له بالاستيلاء على المدارس الدّينيّة في النّجف وبسط سيطرته عليها، وقام بالمناقشة في أصل وقفيّتها وشرعيّة متوليّها، وأخذ يساوم بعض العوائل والبيوتات بشأنها، ويطلب منهم تقديم تنازلات معيّنة، ولو بالاعتذار العلنيّ منه أو زيارته إلى البرّاني؛ بل كان يهدّدهم علناً بأنّهم إذا احتكموا إلى الدّولة العراقيّة واستصدروا منها أمراً باسترجاع المدارس، فسوف يعلن أمام الملأ ويقول مثلاً: إنّ السيّد محمّد سعيد الحكيم أخذ المدرسة منّي بعد توسّله بالقصر الرّئاسي، وبعد أن وقعت الواقعة وأرجعت المدارس إلى أهلها، أخذ يطلب السّماح والعفو، وأنّ مرضاة الله أفضل!!

ولم يتوقّف الأمر عند حدود المنافسة في المرجعيّة وإدارة المدارس، بل أقدم رحمه الله ـ وفق ما يظهر من استفتاءاته وكلماته ـ على تفسيق وكلاء المراجع وأئمّة الجماعة ممّن لا يحضرون صلاة جمعته ولا يرون وجوب تقليده وأعلميّته، وضيّق الخناق عليهم بشدّة من خلال استفتاءات مرتّبة ومكتوبة بخطّه؛ الأمر الّذي أثار لغطاً واسعاً وطويلاً داخل الوسط الحوزويّ والاجتماعيّ، وأسّس في تقديري لآثار سلبيّة لا تزال بعض ارتداداتها حاضرةً إلى اليوم، خصوصاً في طريقة التّعامل مع المختلف والمنافس داخل الوسط الشّيعيّ نفسه.

كما حاول "رحمه الله" استقطاب الشّباب السُّذّج إلى مشروع "السّير والسّلوك إلى الله"، وفتح أمامهم باباً عرفانيّاً وسلوكيّاً واسعاً وخطيراً جدّاً؛ لكنّه حين رأى أنّ الأمور خرجت عن الجادّة تماماً، وأنّ هذا المسار أفضى إلى كوارث جلبت له السُّبّة، وألحقت بمشروعه المرجعيّ انتقاصاً كبيراً، بدأ بالتّراجع عن بعض نتائجه والتبرّؤ ممّن تمادوا فيه.

ولعلّ من تجليّات هذه الخطورة الّتي شعر وأحسّ بها: أن وصل الأمر ببعض هؤلاء إلى سفك دماء بعض علماء الحوزة ومراجعها، تحت دعوى إيمانهم بأنّ الشّهيد محمّد الصّدر هو المهديّ المنتظر، وأنّ الواجب عليهم إزالة العقبات وتذليل الطّريق أمام مشروعه؛ وحين انكشفت هذه الممارسات وظهرت آثارها الكارثيّة، أعلن الشّهيد الصّدر براءته منهم، واشتدّ في ذمّهم وسبّهم ولعنهم، محاولاً الفصل بين مشروعه وبين ما انتهت إليه ممارساتهم.

ولا ننسَ أيضاً أنّ انعزاله الشّديد في بيته ـ وإن كان في جانبٍ منه قهريّاً، وفي جانبٍ آخر مدروساً ومقصوداً ـ أفقده قدراً مهمّاً من الخبرة الاجتماعيّة المباشرة، والاحتكاك الواسع بالنّاس والواقع، وأضعف قدرته على استشعار المخاطر المستقبليّة وتقدير مآلات بعض خطواته؛ ولا سيّما في تعامله مع خصمه الأخطر آنذاك وهو النّظام العراقيّ، حيث لم يُقدّر ـ في تقديري ـ قوّته ومكره ودهاءه، ومدى استعداده لاستخدام أقسى الوسائل حين يشعر بأنّ الأمور خرجت عن نطاق سيطرته، فتغدّى به قبل أن يتعشّى الشّهيد محمّد الصّدر به.

وتزداد منهجيّاته وخطابيّاته وأساليبه المرجعيّة خطورةً حين نلاحظ أنّه أصّل لانفلات جماهيريّ عجيب، ولم يكن يحتمل ـ ولو قليلاً ـ إمكان أن يقتله النّظام وتبقى بعده تلك القاعدة العريضة بلا ضوابط ولا قيود ولا قيادة قادرة على استيعاب طموحاتها وآليّات حركتها.

وقد أرجع أتباعه بعده إلى السيّد كاظم الحائري، مع علمه بأنّ شخصيّة الحائري ومنهجه لا ينسجمان مع الطّموح الجماهيريّ والآليّات والطّرائق الّتي سنّها الصّدر واكتسب جماهيره من خلالها، لكنّه كان يتعامل وفق منطق "مرگتنا على زياگنا" ولا يُريد أن يخرج المشروع الّذي تعب عليه إلى غير أهله ودائرته، والحائري هو في دائرة آل الصّدر ولا يخرج منهم حسب الفرض، وهكذا بدأت التّصادمات والانشقاقات تتوالى يوماً بعد يوم، حتّى آل الأمر بالحائري نفسه ـ وهو الّذي لا يؤمن في قرارة نفسه ولمن عرفه بقصّة اجتهاد وأعلميّة الصّدر بالطّريقة الّتي يراها أصلاً ـ إلى الانعزال عن المشهد وترك الجمل بما حمل.

وممّا يتحمّله الشّهيد محمّد الصّدر أنّه فتح الباب واسعاً أمام "شعيط ومعيط وجرّار الخيط"، ممّن لا يحسن بعضهم كتابة سطر واحد، أن "يصخّم وجهه ويصير حدّاداً"، ويرتدي العمامة، ثمّ يتحرّك بين النّاس باسم الدّين والمرجعيّة. وكان يردّد: "من قلّة الخيل شدّوا عالكلاب سروج"، وكأنّ عدم وجود الخيل الجياد يفرض علينا بالضّرورة امتطاء الكلاب مثلاً!!

وما إن قُتل "رحمه الله" حتّى تحوّل كثير من مقرّبيه إلى رموز مقدّسة، وصار لكلّ واحد منهم جيشٌ جرّارٌ وقواعدُ جماهيريّةٌ تدافع عنه، وأصبحت دعاوى الاجتهاد والمرجعيّة والأعلميّة ـ بالطّريقة نفسها تقريباً ـ كوماً بقرش، وكلّ واحد منهم يجد في تراث الأب المؤسّس ما يستطيع أن يستند إليه في تبرير دعواه وطريقته.

وقد يتخيّل القارئ أنّ ما أذكره مجرّد تحليل شخصيّ أو تحامل مسبق، لكنّي لم أبنِ هذه القراءة من فراغ؛ فقد قضيت أوقاتاً طويلة في فحص تراث الشّهيد محمّد الصّدر المرئيّ والمسموع والمقروء، وعملت على توثيق كلماته ومواقفه بصورة دقيقة، وكثير ممّا أذكره موجود بصوته وصورته، ومنشور في صفحتي الرّسميّة أيضاً، أمّا التّحليل الّذي أطرحه فهو يستند إلى هذه المعطيات وليس من هوائيّات فاقدة للدّليل.

وأخيراً: لا نستهدف من هذا النّقد الإساءة إلى شخصٍ أو جمهورٍ بعينه، وإنّما نريد كسر التّابوهات، وإرجاع الأشخاص إلى أحجامهم البشريّة، والتّذكير بأنّ الادّعاءات ـ مهما عظمت ـ لا تساوي شيئاً في سوق العلم ما لم تُعمَّد بالدّليل. وما خطّه الشّهيد محمّد الصّدر وسار عليه في صناعة مرجعيّته وتجربته لا يجوز تحويله ـ بمجرّد محبّتنا له ـ إلى قواعد مقدّسة ومعايير عامّة؛ ولا قداسة فوق الدّليل المعتبر، فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.