كانت أجهزة الأمن والمخابرات العراقيّة في ذلك الحين تشتغل بعناية فائقة وتركيز شديد في دعم الشّهيد محمّد الصّدر، من أجل فرض مرجعيّته العليا وبسطها على الوسط النّجفي، ومن ثمّ الشّيعي بنحو عام، ولهذا وضعت مجموعة من الخطط في سبيل ذلك.
وفي هذا السّياق نُشير إلى وثيقة جديدة نعدّها هامّة، تتحدّث عن موضوع الإقامات وكيفيّة توظيفه في دعم مرجعيّة الشّهيد محمّد الصّدر، وسنقوم بنقلها بطولها لما فيها من نفع عميم:
رئاسة الجمهوريّة/ جهاز المخابرات السيّد: ر ق2 المحترم
الموضوع: تجديد أقامات المنتمين وتسفير المحسوبين في الحوزة العلميّة. نود أطلاعكم بصدد الموضوع أعلاه وطريقة الاستفادة استخبارياً منه لصالح عملنا في الجهاز، وفقاً للتّوجيهات وصيغ العمل المعروفة لديكم وكما يلي:
١. تجديد أقامات المنتمين في الحوزة العلميّة:
أ. سبق وأن حصلت موافقة السيد مدير الجهاز المحترم بتاريخ ١٩٩٤/١٠/١٦ على تجديد المنتمين للحوزة والبالغ عددهم ٤٩١ أجنبي والّذي تمدّد أقامته بشكل أعتیادي.
ب. في العام الماضي تشكّلت لجنة من مديريتنا و م18/10 لتمديد أقاماتهم في محافظة النّجف وبالاستعانة بثلاثة موظفات من الإقامة.
ج. نقترح بهذا الصّدد مايلي:
أوّلاً: تبليغ كافّة رجال الدّين الأجانب بالحضور وعوائلهم إلى م18/10 في كربلاء وعن طريقكم وكإجراء قانوني.
ثانياً: سيلجأ عدد من المراجع بالتأكّد الى السيّد محمّد الصّدر ويطلبون منه مساعدتهم في جعل تمديد الإقامات في مركز محافظة النجف، واستثناء نساءهم من الحضور.
ثالثاً: سيطلب السيّد الصّدر من المراجع العليا ما طُلب منه، وسنقوم من قبلنا بتبليغ الإقامة بالذّهاب الى محافظة النجف وتمديد أقاماتهم، وفي حالة عدم تنفيذ ما ذهبنا إليه من احتمال في ثانياً وثالثاً أعلاه فعلى الجميع الحضور إلى م18/10 وعوائلهم دون استثناء.
رابعاً: نهدف من هذا التصرف الى مايلي:
(١). أشعار رجال الدين الأجانب بأهميّة تنسيق المرجع الدّيني محمّد الصّدر مع الدّولة لغرض دعمهم ورعاية الحوزة، وبالتّالي دعم زعامة الصّدر من قبلنا.
(٢). إنّ عدم وقوف الأجانب مع الصّدر سيفقدهم احترام وتقدير طلبة العلوم الدّينية ومقلّديهم ومحافظتهم من خلال تسرية القانون عليهم دون أهمية، وهذا سيدفع بهم إلى الّلجوء أيضاً للسيّد الصدر، وبالتّالي دعمه.
٢. تسفير المحسوبين على الحوزة العلميّة:
أ. حصلت موافقة السيّد مدير الجهاز المحترم بتاريخ ١٩٩٤/١١/١ بتسفير ذوي الّذين اشتركوا في أحداث صفحة الغدر والخيانة [انتفاضة 1991] كأسبقية أولى، وبهذا الصّدد:
أولاً: هناك عدد من المشمولين بالتّسفير، ممن يتميّزون بالّلباقة وحسن المظهر، ويمكن العمل معهم دون خسارة لجهازنا، ونرتأي بصددهم مايلي:
(١) تشكيل لجنة من مديريتنا وم0/1/1 وم4/د2/1 لغرض استثمار عدد من الحالات وتجنيدهم وهميّاً، ودفعهم إلى جهاز المخابرات الإيراني؛ لتضليلهم أو أرباكهم عن طريق:
(أ) مقابلتهم واستنطاقهم وإشعارهم بتحرّكنا عليهم كجهاز مخابرات.
(ب) إدخالهم دورة تدريبيّة متنوّعة بأشراف الّلجنة، ولفترة قصيرة، على وسائل وأساليب مخابراتيّة بعيدة عن وسائلنا وأساليبنا، ودمجهم بأتجّاهات متعدّدة، تحقّق الغاية المرجوة، وبخطط مدروسة، على أن تنكشف من قبل المخابرات الإيرانية بشكل سهل، ودفع البعض الآخر بشكل مباشر، وسيجعل هذا التّصرف إلى أعادة النّظر من قبلهم بالّذين تمّ تسفيرهم سابقا،ً ... أساليب ووسائل ليست موجودة في الجهاز. مع مراعاة وضع بعض الأسس الصّحيحة والمعروفة لدى كافة الأجهزة المخابراتية. للتفضل بالاطلاع وأمركم... مع التقدير. توقيع الضّابط المتابع: أحمد محمّد حسن ١٩٩٤/١١/٦
السيّد م ش1 المحترم:
للتفضل بالاطّلاع بخصوص طلبة الحوزة العلمية والّلجنة المشكّلة من أجل تمديد الإقامة لهم، حيث كان المتعارف عليه تشكّل الّلجنة وبعدها تذهب إلى النّجف لغرض تمديد الإقامات بشكل جماعي، ويقوم المرجع بتقديم الأسماء؛ لغرض دعم [السيّد محمّد] الصّدر وإرباك عمل المخابرات أيضاً من خلال الّذين سيتم تسفيرهم، نؤيد المقترحات، والكتابة: م4 د4 و م5/1/1... مع التّقدير.
السيّد أحمد رجا.. تؤجّل لحين عودة السيّد المحترم 28/11.
أقول: من الواضح أنّ من يتصوّر أنّ الشّهيد محمّد الصّدر كان قد جعل حزب البعث ورجالاته جسراً وعبر عليهم، إنّما يسخر ويهزأ بفهمه ووعيه لا غير؛ فالوثيقة تقول بلسان واضعي الخطّة أنفسهم إنّ الهدف هو "دعم زعامة الصّدر من قبلنا"، وإنّ أجهزة المخابرات والأمن العراقيّة في ذلك الوقت كانت تعرف تماماً ماذا تريد، وتضع الخطط المدروسة للوصول إليه، وقد وفّقت في ذلك خير توفيق.
**وأمّا ما تكشفه بقيّة الوثائق الّتي عرضناها من إحاطة الجهاز بالمشهد المحيط بالسيّد واستثماره وتحريكه، بل واتّفاق الشّهيد محمّد الصّدر معهم بتصريح أقرب طلّابه والملتصقين به فيجعل الصّورة أكثر اكتمالاً. ولمّا انتهت المهمّة ووصلت مرحلة التّخادم إلى طريق مسدود، انتهت هي الأخرى إلى النّهاية المأساويّة الّتي نعرفها، وبدأ التّفكير ببدائل أخرى؛ فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.
**

لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.