أعدّ الشّهيد محمّد الصّدر الأب المؤسّس لمعظم التمرّدات والانشقاقات العسكريّة والدّينيّة والباطنيّة الّتي ظهرت داخل الواقع العراقيّ الشّيعيّ بعد عام ٢٠٠٣م؛ إذ إنّ قادة هذه الحركات، على اختلاف عناوينهم واتّجاهاتهم، تأثّروا به إمّا مباشرةً وإمّا بالواسطة.
أمّا التّقاطع الحاصل بعد ذلك بين هذه الزّعامات بمختلف صنوفها، فلا يرجع في الغالب إلى اختلافها في أصل المنهج الّذي خطّه الأب المؤسّس بما فيه من أخطاء وهنات مدوّية؛ وإنّما يعود إلى أنّ معظم هؤلاء كانوا أصدقاء طفولة وشباب، ثمّ فرّقتهم المصالح والطّموحات بعد أن فتحت الدّنيا لهم أبوابها، فأضحت لغة "مكاسر الخشوم" هي الحاكمة على علاقاتهم وتقاطعاتهم.
وحينما ننقد الشّهيد محمّد الصّدر، فإنّنا لا نستهدف شخصاً بعينه، ولا مكوّناً أو تيّاراً سياسيّاً أو اجتماعيّاً محدّداً، ولا ننحاز إلى فريق دون آخر، ولا نتأثّر بتقاطعاتهم السّياسيّة والدّينيّة الآنيّة؛ وإنّما نريد أن نوضّح أنّ المرحوم الشّهيد كان يتحرّك بإمكانات علميّة متواضعة جدّاً، وكانت لغة "مكاسر الخشوم" مع أقرانه من المراجع ماثلةً أمام عينيه، كما لم يكن يكترث البتّة بمدى صدق المعلومة الّتي ينقلها وواقعيتها، بقدر ما كان يعنيه تأثيرها في إخضاع مخاطبيه وإخافتهم، ودفعهم إلى التّسليم المطلق لأوامره ونواهيه ورغباته.
وفي ضوء ذلك، نقدنا خلال السّنوات الماضية تراث الشّهيد محمّد الصّدر الفقهيّ والأصوليّ، وأوضحنا بما لا مزيد عليه مقدار ضعفه الشّديد في هذين المجالين، ثمّ عكفنا في هذه المرحلة على دراسة تراثه المرئيّ والمسموع الّذي تأثّر به عامّة النّاس، من لقاءات ومواعظ وخطب جمعة؛ فظهر لنا بنحو لا يدع مجالاً للّبس ضعفٌ شديد في مجالات كثيرة، حتّى ينقطع نفس من تتبّعها.
على أنّ من الضّروريّ التّنبيه إلى أنّ نقدنا لا يطمح إلى تغيير قناعات النّاس السّياسيّة أو الاجتماعيّة؛ فهذه خياراتهم وشؤونهم، ولا تعنينا بالمرّة. وإنّما نريد أن نوضّح لهم أنّ الابتعاد عن لغة "المولى المقدّس" هو المفتاح الحصريّ للتّعايش مع الآخرين ومع العلم؛ أمّا مع استمرار هذه اللّغة، فسيبقون يلوكون وهماً بعد وهم، ويحوّلون الأخطاء البشريّة إلى حقائق مقدّسة لا تقبل النّقاش. فليُتدبّر قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.

لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.