بعد العرض المتواصل والتّوثيق المتسلسل للأحداث الّتي رافقت نشوء مرجعيّة الشّهيد محمّد الصّدر وصعودها، اتّضح بما لا يقبل الشكّ لمن له أدنى التفات: أنّ تعاوناً وتخادماً قد حصل بين الشّهيد محمّد الصّدر ونظام صدّام وأجهزة مخابراته وأمنه، في تحقيق ما كانت هذه الدّوائر تصبو إليه من تعريب المرجعيّة وعراقيّتها، وإزاحة التسلّط الفارسيّ وغير العربيّ عليها.

وأصل هذا التّعامل والتّخادم، وبحسب هذه الوثائق والتّصريحات الصّادرة من الصّدر نفسه وطلّابه، هو موضع الاتّفاق بين الأطراف الموافقة والمخالفة، وإنّما يبدأ الخلاف الحقيقيّ في تفسيره وتعليله وتحديد المستفيد منه!!

وهنا قراءتان:

القراءة الأولى: يذهب الصّدر وأنصاره إلى أنّ الغاية في هذا السّياق تبرّر الوسيلة، وأنّه استطاع أن يضحك على نظام صدّام، ويستزوجه ويستغفله، ويستفيد من دعمه وإمكانيّاته في سبيل الوصول إلى أهداف دينيّة كبرى في نشر الوعي وتثبيته، وأنّ النّظام كان يتصوّر أنّه يستخدم الصّدر، بينما كان الصّدر ـ حسب هذه القراءة ـ يستخدم النّظام لتحقيق مشروعه!!

القراءة الثّانية: يذهب مناوئو الصّدر إلى العكس تماماً؛ وأنّ النّظام هو من استزوج الصّدر واستغفله، ووجد فيه ضالّته في شقّ الصّفّ الشّيعيّ، مستفيداً من طموحه الشّخصيّ ومآربه الذّاتيّة، وما يرونه من روح انتقام شخصيّة كامنة في داخله تجاه بعض الأسر والمرجعيّات المنافسة!! وفي ضوء ما تقدّم من قراءتين: فحينما خوّن مناوئو الصّدر، الصّدرَ، وطعنوا فيه بسبب هذه العلاقة، كانت لديهم قراءتهم ومبرّراتهم الّتي استندوا إليها؛ وحينما دافع عنه أنصاره، وقالوا إنّه كان يستغفل النّظام ويوظّف إمكانيّاته لتحقيق مشروعه الدّينيّ، كانت لديهم قراءتهم ومبرّراتهم أيضاً.

فأصل العلاقة والتّخادم قائم في القراءتين معاً، وإنّما النّزاع في سؤال واحد: من كان يستخدم من، ومن استغفل من، ومن سخّر الآخر للوصول إلى أهدافه؟!

وأنت بالخيار في أن تختار من القراءتين ما تراه أكثر انسجاماً مع الوثائق وتسلسل الأحداث، لا مع عواطفك وتطلّعاتك؛ أو أن تختار قراءة ثالثة ممزوجة من هاتين القراءتين وغيرهما؛ فتدبّر قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.