اعلم سيّدي الموالي، وأنتِ سيّدتي الموالية: أنّ ما نكتبه عن الشّهيد محمّد الصّدر يشبه إلى حدّ بعيد ما نكتبه عن الرّسول وصحابته وأهل بيته؛ فكما نلاحظ انزعاج محبّي أولئك، وإرعادهم وإزبادهم، بمجرّد أن نذكر روايةً هنا أو حديثاً هناك لا ينسجم مع تصوّراتهم، ثمّ نربط بينهما ونموضعهما في سياق مترابط، فإنّ كثيراً من محبّي الشّهيد محمّد الصّدر يقدّمون لنا نموذجاً معاصراً واضحاً للتّقديس الّذي يُغلق نوافذ الحوار، ويصادر ما يُسمّى بالرّأي والرّأي الآخر.
وكما يطرح الفقه مفهوم "النّاصبيّ" لمن يصفونه بناصب العداء لآل محمّد، فإنّ بعض هؤلاء يكاد يبتكر مفهوم "ناصبيّ آل الصّدر" أيضاً؛ فبمجرّد أن تطرح نقداً علميّاً لشخص ينتسب إلى هذه الأسرة ـ ولو كان دون الشّهيد الصّدر بمراتب ـ تُرمى بالعداء والبغضاء؛ لمجرّد انتمائه النّسبيّ أو السّببيّ إليها.
بل نرى أحياناً طرح مقارنةٍ وتداولها بين مفهوم "الصّحابيّ ومفهوم «الصّدريّ"؛ فكأنّ كلّ من رأى الشّهيد محمّد الصّدر أو سمعه، ولو من بعيد، أصبح "صدريّاً" تُسحب عليه هالةٌ من القداسة، على غرار القداسة الّتي أُضفيت في الوعي التّراثيّ عند السُنّة والجماعة على مفهوم "الصّحابيّ" لمجرّد رؤيته الرّسول أو سماعه منه، وتلك إذن قسمةٌ ضيزى!!
والحقيقة أنّ كثيراً من الأحاديث والرّوايات، بل وحتّى أصوات الرّسول القرآنيّة، قد مرّت على محبّيها، أو قل: على المختصّين منهم؛ فسمعوها وقرأوها مراراً، لكنّهم قرأوها بعد ارتداء نظّارة القداسة، فلم يلتفتوا إلى ما يمكن أن تكشفه حين توضع في سياق موضوعيّ مترابط، وتُجمع جمعاً دقيقاً؛ فتؤخذ رواية من باب الدّيات مثلاً، وتُجعل قرينةً لفهم رواية في باب الطّهارة، بعد تأصيل مجموعة من الأصول الّتي نعتقد بسلامتها وصلاحيّتها وبرهانيّتها أيضاً.
وهكذا الأمر في تراث الشّهيد محمّد الصّدر؛ فكثير من محبّيه ـ إن لم نقل جلّهم ـ كانوا قد سمعوا أصول المقاطع المرئيّة والصّوتيّة الّتي ننشرها، وقرأوا استفتاءاته وكلماته، بل قد تكون بعض عباراته من محفوظاتهم؛ لكنّ الفارق أنّهم تلقّوها من داخل دائرة المحبّة والقداسة، بينما نحاول نحن قراءتها بعد خلع هذه القداسة، ووضعها في سياق حياديّ مترابط، فتنتج حينئذٍ صورةً مختلفة تماماً عمّا يراه المحبّ المغالي في محبّته.
لذا أتمنّى على الطّيبين فيهم، والمخلصين منهم، والمحبّين بينهم، ألّا يسيئوا الظنّ بنا، ولا يتّهمونا بأنّنا نفتري على الشّهيد، أو نقوّله ما لم يقل، أو ننسب إليه ما لم يصدر عنه؛ فهم يرون بأمّ أعينهم أنّنا نعتمد على كلماته المصوّرة والمسجّلة، ونقضي أوقاتاً طويلة في استخراجها وتفريغها وكتابتها وربط بعضها ببعض؛ لتسهيل عمليّة الفهم والتّعليم والنّقد.
لكنّ الفارق الجوهريّ بيننا وبينهم هو أنّنا لا ننطلق من افتراض قداسة أحد، ولا نضع النّتيجة قبل البحث ثمّ نفتّش عن المبرّرات لها؛ فما يريده بعضهم منّا ـ من تسليم مسبق وتنزيه دائم وتأويل لكلّ هفوة ـ لن يجده عندنا فنحن لا نقدّس شخصاً، والمقدّس لدينا هو العلم والدّليل فقط؛ فليُتدبّر قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد. #ميثاق_العسر


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.