إذ كان الرّسول يعلم بمقتل سبطه الحسين في كربلاء وزمان ذلك أيضاً كما هو مدّعى مؤسّسي ومنظّري الحسين المذهبي وآحاد الأخبار المرويّة عن الرّسول في كتب الآخر كذلك، فنحن نسأل:

هل يُريد الرّسول أن يُبلّغ المؤمنين بنبوّته بمضمون هذا العلم ويُلقي الحجّة الكاملة عليهم ليطلب منهم موقفاً مناصراً لسبطه مثلاً، أم يُريد أن يسلّي نفسه بمضمون هذا العلم ويبكي ويتباكى ويفضفض بذلك أمام إحدى زوجاته أو أمام أخت زوجته الأخرى مثلاً؟!

إذا كان يُريد الأوّل: فكان عليه إبلاغ آحاد النّاس بذلك بأنصع العبارات لا سيّما المعنيّين منهم ومن بيدهم القرار ويوفّر دواعي نقل ذلك.

وإذا كان يُريد الثّاني: فهذه الفضفضة لا تنجّز في عهدة الصّحابة فضلاً عمّن تلاهم شيئاً أصلاً؛ لأنّ تنجّز التّكليف فرع بيانه، وفضفضته لإحدى زوجاته أو أخت زوجته الأخرى لا ينفع في تحقيق ذلك.

لنترك هذين الاحتمالين معاً ونفترض أنّ الرّسول كان قد جمع صحابته بالتّمام والكمال وأبلغهم بذلك، وذلك بإخبارهم واحداً واحداً بمقتل سبطه الحسين بن عليّ في المكان والزّمان المحدّدين، فأيّ شيء يُريده منهم ما دام الأمر قد تنجّز والقضاء الإلهيّ قد استحكم بهذا الشّأن؟! فهل سيتغيّر هذا العلم الإلهي لو عزموا على نصرته والوقوف بجنبه مثلاً؟!

أم سيتبدّل إذا ما دفعوا صدقة أو قاتلوا بين يديه؟!

أو كان عليهم ألّا يبايعوا يزيد وأباه معاوية مثلاً؟!

ومثل هذا الاحتمال لا محصّل له أيضاً؛ لأنّه إذا أراد منهم ألّا يوفّروا مقدّمات قتل الحسين الّتي نفترض اختزالها ببيعة يزيد فكان عليه أن يقول لهم حذار أن تبايعوا فلاناً وفلاناً وفلاناً كي لا تصل النّوبة إلى يزيد، لكنّ المفروض أنّ هؤلاء هم كبار صحابته الّذين بلّغهم بمثل هذا الإلزام، فعن أيّ شيء يمتنعون؟!

أعتقد أنّ هذا الفصل من مسرحيّة الحسين المذهبي [لا الواقعيّ] ينبغي أن نفهمه في سياقه الطّبيعي الّذي يهدف الإثارة وشحن العواطف وتأليب الرّأي العامّ ضدّ جهات معيّنة وتحقيق مكاسب مذهبيّة معروفة، والمساعي لتصحيح الأسانيد رغم ضعف آحادها عند بعضهم إنّما هو التزام مبنائيّ من ضيق الخناق.

كما أنّ تكاثرها في داخل منظومة المذهب لا يكشف عن شيء سوى عن مساعي مؤصّلي ومنظّري الحسين المذهبي لتحقيق ما يُمكن تحقيقه، والواقع يبقى على ما هو عليه من أنّ الأصل عدم علم الإنسان بمصيره المستقبلي بنحو الجزم والحتم، وتبقى جميع تحرّكاته محكومة بقانون المحاولة والخطأ، فليُتدبّر كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.