يقولون ـ وهم بذلك يستدلّون على خسّة بني أميّة وعساكرهم ـ: لقد أظهر الإمام الحسين رضيعه العطشان، وطلب لهم الماء، فلم يرحموه، ونحروه من الوريد إلى الوريد!!

وهنا نسأل: هل كان الإمام يعلم مسبقاً أنّ رضيعه سيُذبح حتماً إذا أخرجه إليهم، ومع هذا لم يكن له خيار غير الامتثال لما رُسم له سلفاً؟! أم أنّه لم يكن يعلم، واحتمل أنّ إظهار الطّفل سيرقّق قلوبهم، فيسقونه الماء ويُبقونه حيّاً؟!

فإن كان الجواب الأوّل، وأنّه كان يعلم بمصيره علماً يقينيّاً، فما معنى البكاء على هذه الحادثة أصلاً، والإمام نفسه هو الّذي قدّم رضيعه إلى مورد الهلاك مع علمه النّهائيّ بما سيجري عليه؟!

فإن قيل: إنّ ذلك كان تكليفاً إلهيّاً لا خيار له في مخالفته!!

قلنا: فما الحكمة الّتي يبتغيها هذا الإله من نحر طفل رضيع بهذه الطّريقة؟! وما الّذي ينتفع به من هذا المشهد، وهل غابت سعة علمه الحيل والآليّات؟!

وإن قيل: إنّ إظهار الحقّ يحتاج إلى تضحيات!!

قلنا: نعم؛ ولكنّ التّضحية الواعية شيء، والزّجّ بطفل رضيع لا يملك أدنى قدرة على الاختيار شيء آخر تماماً.

وأمّا إن كان الجواب الثّاني، وأنّ الإمام الحسين احتمل أن تلين قلوب القوم إذا رأوا رضيعه العطشان، فذلك يعني أنّه لم يكن يعلم تفاصيل ما سيقع، وكان يتعامل مع الوقائع وفق الاحتمالات البشريّة.

وعندئذٍ يبرز سؤال أكبر: إذا كان لا يعلم بمصير النّساء والأطفال، فلماذا اصطحبهم معه إلى معركة يعلم أنّها غير متكافئة؟! ولماذا لم يعمل على إعادتهم إلى المدينة، أو إخراجهم من ساحة الصّراع، ويقتصر الاستبسال على شخصه ومن أراد البقاء معه عن وعي واختيار؟!

بلى؛ هذه الأسئلة وأمثالها لن تجد لها جواباً معقولاً إلّا إذا تجاوزت مرحلة التّلقين المنبري، واستعدت عقلك المستباح، ومن غير ذلك تبقى الغماميّة والتّلقين نفسه بقراءة كربلاء قراءةً مسرحيّة تقوم على علمٍ مسبق بكلّ التّفاصيل، ثمّ تمثيل أدوار الجهل أمام الأهل والأصحاب، فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.