ماذا لو سمح الإمام الحسين لنسائه وأطفاله بالمغادرة؟!
لنفترض أنّك وجدت نفسك وحيداً محاصراً بين عشرة أشخاص مفتولي العضلات ومدجّجين بالسّلاح، وأنّ قتلك لا محالة واقع، وهناك منفذ يمكنك الهروب منه واحتمال سلامتك فيه سبعون بالمئة؛ فماذا يقول لك العقل والعقلاء بما هم عقلاء وأنت مع أهلك وأولادك؟!
لا شكّ في أنّ العقل والعقلاء يقولون لك: اهرب من هذا المنفذ؛ لأنّنا إذا تجاوزنا قتلك المحتّم، فإنّ ما ستتعرّض له عائلتك وأولادك بعد ذلك أشدّ وأمرّ.
والاستبسال في مثل هذه المواطن لا معنى له أصلاً، حتّى لو قلت بينك وبين نفسك: إنّني إذا واجهتهم وقُتلت، وتعرّضت أسرتي وأولادي لما لا ينبغي التعرّض له، فسوف يتحرّك أبناء المنطقة ويثورون ضدّ الظّلم؛ لأنّ أبناء المنطقة لو كان فيهم حظّ وخير لثاروا دون حاجة إلى مثل هذه المسرحيّة أصلاً.
مضافاً إلى ذلك: فإنّ تشخيصهم لصغرى الظّلم عائد إلى أمور كثيرة ربّما لا يتّفقون معك فيها أيضاً، وتبقى القضيّة خاضعة للاجتهادات والمصالح والتّقديرات المختلفة.
كما أنّك لو أردت أن تناهض الظّلم والإذلال، وهذا حقّك الشّخصي أيضاً، فعليك أن تناهضه بمفردك، وليس مع نساء وقاصرين لا حول لهم ولا قوّة، ولم يُستفتوا في مصيرهم أصلاً.
وفي ضوء هذا التّنظير البسيط يتجلّى لك عمق الإشكال الّذي يطرحه التّنوير على الاستبسال الأخير الّذي قدّمه الإمام الحسين في معركته مع ابن زياد؛ إذ كان بإمكانه أن يطلب من المعسكر الآخر السّماح لأحد أولاده أو أقاربه بمرافقة عائلته ونسائه إلى المدينة، ثمّ يبقى هو وحده ليقاتل ويستبسل وفق تشخيصه.
وبذلك كان سيُعطي درساً لغيره في ضرورة تجنيب النّساء والقاصرين مثل هذه المواطن، وعدم إدخالهم في صراعات السّلطة والقيادة، وعدم منح المناهضين مبرّراً لوصف استخدامه للنّساء والأطفال بأنّه من مصاديق الدّروع البشريّة. فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.