لم يكن العمّ الثّاني للشّهيد محمّد الصّدر ووالد زوجته، السيّد محمّد جعفر المعروف بـ"حاج آغا"، والمتوفّى سنة 1406هـ، من طلّاب العلوم الدّينيّة أصلاً، بل كان منصرفاً إلى الكسب ابتغاءً للرّزق الحلال، بل نصّت سجلّات مديريّة الأمن العامّة على مهنته أيضاً، وهي "معقّب طابو".

وحتّى أولاده مهدي وسلام أكملا دراستهما الأكاديميّة، وشقّا طريقهما بعيداً عن المسار الحوزويّ وتعقيداته، وكان الأوّل يكتب في جريدتي "الشّعب" و"البلاد" في منتصف القرن الماضي أيضاً، وعُيّن معيداً في كليّة الآداب، قسم الصّحافة، كما نصّت كتب الأسرة نفسها.

وليس في الكسب أيّ عيب أو عار أو سبّة، بل توفير لقمة الحلال عن طريقه شرف كبير يتمنّاه كلّ نبيل في هذا العالم، وهذا ما ينبغي فهمه وتفهميه.

لكنّ المؤسف أنّ ما لحظته فيما طبعته هيئة التّراث، الجهة المخوّلة رسميّاً من الحنّانة بطبع تراث الصّدر، أنّهم عبّروا عنه بـ"الحجّة"، ومن الواضح أنّ هذا التّعبير والوصف والعنوان يُطلق في هذا السّياق على من قضى شوطاً في الدّراسة الحوزويّة، وتمريره بهذا الشّكل يوهم القارئ بأنّ أسرة آل الصّدر جميعهم متمحّضون في الدّراسات الدّينيّة، مع أنّ هذا الكلام مجافٍ للحقيقة والواقع.

ما أردته إيضاحه من خلال هذه الجزئيّة الصّغيرة والعابرة: أنّ التّدليس أزمة معرفيّة كبيرة تعشعش في دواخل كثيرين، خصوصاً ممّن يحيط بالشّخصيّات الدّينيّة ويحاول صناعة صورة مثاليّة متكاملة لها ولأسرها، حتّى في الأمور الّتي لا تحتاج إلى صناعة أو تجميل أصلاً!!

وربّما يقوم بهذا موظّف صغير هنا أو هناك من أجل التملّق أحياناً، ثمّ تُنقل المعلومة منه إلى غيره، وتُطبع في كتاب، ويأخذها الّلاحق عن السّابق، حتّى تضحى بعد مرور الزّمن حقيقةً تأريخيّةً لا يكاد أحد يسأل عن أصلها!!

وإذا كان التّدليس يقع في هذه الجزئيّة الصّغيرة الّتي لا يترتّب على حقيقتها شيء أصلاً، فكيف بما هو أكبر منها وأشدّ حساسيّة، وكم لهذه الطّريقة من نظير للأسف الشّديد؟! فليُتدبّر قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.