إذا ذهبنا إلى الرّسالة العمليّة للشّهيد محمّد الصّدر، وإلى باب ماهيّة القذف عنده فقهيّاً، نلاحظ تعريفه واضحاً جدّاً؛ حيث قال: "المراد بالقذف هنا: اتّهام الغير على وجه اليقين بالزّنا أو اللّواط"، وحدّه ثمانون سوطاً.

وبعد أن حدّد ماهيّة القذف، نصّ على اشتراط مجموعة أمور في ثبوته، وهي:

الأمر الأوّل: أن يكون الاتّهام بخصوص الزّنا أو اللّواط، دون غيرهما من الأعمال الفاحشة.

الأمر الثّاني: أن يكون الاتّهام على وجه اليقين العرفيّ، أو ظهور عبارته بالبتّ في هذا الاتّهام.

الأمر الثّالث: أن يكون القاذف بالغاً عاقلاً قاصداً.

الأمر الرّابع: أن يكون المقذوف بالغاً عاقلاً حرّاً مسلماً عفيفاً.

الأمر الخامس: أن تكون العبارة صريحة أو بمنزلتها.

وبعد أن عرفنا ماهيّة القذف وحدّه الفقهيّ وشروطه، نسأل: ألم يكن الشّهيد يعلم بينه وبين ربّه بأنّه لا يستطيع أن يوفّر شهوداً وبيّنةً بمعناها الفقهيّ الدّقيق الّذي اشترطه على كون 99٪ من سدنة وخدمة الأضرحة في حينه هم زناة ولوطيّة، حتّى لو فرضنا انكشاف الواقع له عن طريق الكشف والشّهود ورفع الغطاء ورؤية النّاس على حقائقها؟!

وبعبارة أخرى: أنّنا إذا فرضنا أنّ عدد الخدمة والسّدنة ألف شخص، فإنّ نسبة 99٪ تعني الحكم على 990 واحداً منهم بأنّهم زناة أو لوطيّة؛ فهل يستطيع الشّهيد محمّد الصّدر أن يقيم البيّنة الفقهيّة، ويوفّر شهود الزّنا أو اللّواط بأعدادهم المعروفة على ارتكاب آحاد هؤلاء الـ990 هذه الموبقات؟!

وحين عجزه القطعيّ عن ذلك فسوف يستحقّ حدّ القذف على مبانيه وفتاواه في حقّ كلّ من انطبقت عليه شروطه، ولو لأجل لغة التّعميم المؤسفة الّتي وظّفها، وحتّى لو فرضنا حذف شرط العفّة عند بعض من اتّهمهم بنسبة 99٪، فإنّ احتمال وجود العفيف فيهم يبقى قائماً، فعلامَ هذا التّعميم؟!

يؤسفني كثيراً أن أرى رواج ثقافة القذف بمختلف صورها في قطّاعات واسعة وهائلة من مجتمعاتنا لأدنى مناسبة واختلاف، ثمّ يعتقد أصحابها بقداسة من يمارسها وارتباطاته الغيبيّة السّماويّة؛ مع أنّ ما أقدم سماحته عليه لا يُقدم عليه رجل دين عاديّ يحترم ضوابطه وحدوده، ويتقيّد بظواهر الأدلّة، ويتحرّز في أعراض النّاس، فكيف بمن يدّعي لنفسه الأعلميّة على عموم مجايليه.

أجل؛ من المعيب جدّاً أن يأتي أتباعه بعد ذلك ليصحّحوا هذا القذف ويشيدوا به، ويبحثوا له عن المخارج والتّبريرات لمجرّد أنّ قائله هو مرجع تقليدهم؛ فهذا هو المقياس الّذي تُقاس به أخلاقيّة البشر: هل نرفض الخطأ أيّاً كان قائله، أم يصبح الخطأ صواباً إذا صدر ممّن نقدّسه ونقلّده؟!

وفي الحقيقة: أنا كإنسان عاديّ أُجلّ نفسي عن الهبوط إلى هكذا مستويات معيبة، وأتحاشى وصف جماعة من النّاس بهذه الطّريقة المؤسفة، فكيف بمن نصب نفسه وليّاً لأمور المسلمين جميعاً، وحاكماً ووليّاً على جميع البقاع والأصقاع؟!

لكن علينا أن نعترف: بأنّ الأمّة الّتي تدافع عن هذه الأخطاء الفاضحة وتصحّحها لمجرّد صدورها من مقدّساتها، فقد تودّع منها، فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.