التجّار يخسرون عادةً في بدايات مشاريعهم، ثمّ يربحون ويتنعّمون، ويُنمّون رؤوس أموالهم، ويورّثونها لأولادهم وأحفادهم؛ وهكذا تفعل زعامات الأديان ومؤسّسو المذاهب وكبار المراجع أيضاً.
لكنّ مذهبنا لا تقوم له قائمة لا سيّما في العقود الأخيرة، ولا يستمرّ إلّا بمزيد من الخسائر والدّماء والأموال؛ وهذا يكشف عن عوقٍ أساسيّ في بنيته القائمة على المظلوميّة والاستغفال، وعن مشروع لا يعيش إلّا بإدامة شعور أتباعه بالخطر والتّضحية الدّائمة.
تقول له: لماذا يجب أن يُقتل "أولاد الخايبة" في معارك معلومة النّتائج سلفاً، بينما لا ينتفع منها إلّا القادة والزّعامات؟!
يجيبك فوراً: لكي يستمرّ المذهب!!
وتسأله: لماذا يجب أن نصرف المليارات، ونستنزف الطّاقات، ونعطّل الوزارات والمدارس والمصالح العامّة من أجل زيارة الأربعين، ونحن أحوج ما نكون إلى هذه الأموال لتوفير أبسط احتياجات النّاس؟!
فيجيبك مرّةً أخرى: لكي يستمرّ المذهب ويدوم بقاؤه!!
فتقول له: هذا مشروع فاشل حتّى بالمنطق التّجاريّ؛ فمتى نربح؟! ومتى نتوقّف عن ضخّ الدّماء والأموال والطّاقات في مشروع لا تنتهي خسائره؟!
فيجيبك: نحن في عصر الهدنة والانتظار، ولا طريق لنا غير الاستمرار في المواجهة والتّضحية حتّى يظهر المهدي!!
وتسأله: ومتى يظهر المهدي؟! يقول لك: عندما تتوفّر شروط ظهوره!!
فتسأله: ومتى تتوفّر هذه الشّروط، ومن الّذي يحدّد تحقّقها؟!
فلا تجد جواباً قابلاً للفحص أو التّحقّق، بل تُحال إلى دائرة مغلقة من الوعود الغيبيّة الّتي تبرّر كلّ خسارة، وتطلب منك مزيداً من الدّم والمال والصّبر.
**أعتقد أنّ مسلسل الاستغفال هذا لن ينتهي ما دامت العقول مخدّرةً، وما دام النّاس يقدّمون أبناءهم وأموالهم وطاقاتهم إلى مشروع لا يُسمح لهم بالسّؤال عن نتائجه أو موعد انتهائه، والأكثر غرابة: أنّهم يتلذّذون بذلك، ويرون أنفسهم يصنعون خيراً، مع أنّ هذا هو انحراف ذهنيّ عن مسار الحياة الطّبيعي ورواجاً لسوق بائعي الوهم والتّسليم بالآجل أيضاً، فليُتفطّن قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد. **
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.