كلّما تضخّمت أعداد الزّائرين، كشف ذلك عن ارتفاع منسوب "العطّالة البطّالة" في مجتمعنا، واتّساع مشاريع الإلهاء والتّحشيد، ولم يكن هذا دليلاً على وعي المجتمع أو تقدّمه كما قالوا، كما لا تحمل هذه الزّيارات ـ وفقاً لمختارنا ـ ثواباً دنيويّاً ولا أُخرويّاً، ولا هم يحزنون.

فالهدف التّاريخيّ من تشريعها لم يكن مجرّد قطع المسافات والبكاء وتوزيع الطّعام، وإنّما استغفال الجماهير وتحشيدها وتأليب الرّأي العامّ على حكومة بني أميّة، تمهيداً لإسقاطها واستلام الحكم؛ وقد انتهت تلك الأهداف وتصرّمت ظروفها، واستلم أولاد عمومة الإمامين الباقر والصّادق الحكم، وانتهت المهمّة المرجوّة من الزّيارة ومشاريع الاستغفال، ولم يبقَ منها إلّا طقوس تتضخّم عاماً بعد عام.

ومع ذلك، فإنّ هذه الزّيارات ـ بوصفها مشاريع للوناسة، والخروج من ضغط الحياة، واستلهام بعض التّجارب الاجتماعيّة ـ قد تكون معقولة إذا حُصرت بخمسة أيّام مثلاً، ومن النّجف إلى كربلاء؛ أمّا تحويلها إلى أسابيع طويلة، وتعطيل الأعمال والدّراسة والمصالح العامّة من أجلها، فليس إلّا هدراً للأعمار والطّاقات والأموال.

وتشتدّ المشكلة حينما تتزامن هذه المناسبات مع أيّام الدّوام الاعتياديّة؛ وهذا من أبرز بلايا المناسبات الدّينيّة الّتي ما زالت مرتبطة بتقويم البداوة القبلي، الّذي لا يراعي مصالح لمجتمع الحديث.

فالزّيارات، ولو بلغت أعداد المشاركين فيها ملياراً وفقاً لكامرات العتبات الحراريّة، فلن تُنتج أثراً يوازي أثر المال والسّلاح، ولن تبني دولةً، ولا تُقيم عدلاً، ولا تُصلح اقتصاداً، كما لم ولن تمنح وعياً؛ فليُتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.