على مدى سبع سنوات متواصلة وربّما أكثر، كانت السّلطة العراقيّة آنذاك، وبتوجيه مباشر من رئيسها، وامتثال أجهزتها الأمنيّة والاستخباراتيّة، تقدّم الخطط، وتذلّل الصّعاب، وتوفّر الدّعم السّخيّ بكلّ مستوياته للشّهيد محمّد الصّدر؛ من أجل بسط نفوذه، وتدعيم مرجعيّته العليا، وزعامته على الحوزة، وإذلال منافسيه، وكان يمتثل ولا يناقش، ويطبّق ما يُطلب منه، وقد عرضنا من وثائق ذلك ما يخرس الألسن، ولا تزال بقيّة الوثائق في الطّريق.

لكنّ السّلطة الّتي كانت ترى في الصّدر مشروعاً مرجعيّاً يمكن توظيفه لتحقيق أهدافها، تجاوزت تحفّظات أجهزة مخابراتها على شخص الصّدر بوضوح، ولم تلتفت إلى خطورة المشروع الشّخصي الّذي كان ينمو في داخله بالتّوازي مع مشروعها؛ فالصّدر لم يكن يريد أن يكون مرجعاً تقليديّاً يجلس في بيته ويكتب رسالته العمليّة، وإنّما كان يحلم بمجدّ شخصيّ، ومرجعيّة عليا، وزعامة دينيّة واجتماعيّة واسعة، ويرى أمامه تجربة الخميني الّذي تحوّل من رجل دين ومرجع إلى قائد دولة وجماهير.

لكنّ مشاريع التّغيير الدّيني من هذا القبيل تحتاج إلى عقل استراتيجيّ يعمل بشكل هادئ وممرحل، ولا تحكمه النّوازع النّفسيّة والغرائزيّة وحبّ الانتقام والاستعجال، كما لا ينبغي لأصحابها أن يلوّثوا أنفسهم بمكافيليّة خطيرة تتنافى مع المبادئ الّتي سيطرحونها ويجذبون جماهيرهم من خلالها.

وحتّى الخميني نفسه، مضافاً إلى ما كان يملكه من استعدادات تقليديّة حوزويّة لم يكن الصّدر يمتلكها، والّتي استمرّ في تطويرها وتنميتها نجفيّاً أيضاً على مدى أربع عشرة سنة من مكوثه في النّجف، لم يكن بمفرده قادراً على إحداث هذه الحركة دون عمل ممرحل ودؤوب تضافرت فيه جهود قوى واتّجاهات مختلفة، وكان لليسار الماركسي حضور فاعل فيها أيضاً. كما لم تكن دمويّة محمّد رضا بهلوي الشّيعي الاثني عشريّ ـ الّذي كان مقلّداً للبروجردي وعلى صلة بالمؤسّسة الدّينيّة والمراجع في قم والنّجف ـ كدمويّة صدّام السُّنّي التّكريتي وإجرامه.

لكنّ الصّدر لمّا رأى الدّنيا له مستوسقة، والأمور له متّسقة، وخفقات النّعال خلفه مستمرّة، وجموع المصلّين والمريدين من حوله متكاثرة، اغترّ بمن حوله، وحسب أنّ بإمكانه أن يكون خمينيّ العراق، وأنّ الأدوات الّتي وضعتها السّلطة بين يديه لإضعاف خصومه وتدعيم مرجعيّته يمكن أن تتحوّل في الوقت المناسب إلى أدوات قوّة في مواجهتها هي نفسها!!

ومن هنا بدأ ينفّذ ما في رأسه من خطط بشكل ممرحل، وأخذ يتعامل مع أوامر أصدقاء وحلفاء الأمس بطريقة التّسويف والمماطلة، ويختبر مقدار ما يستطيع أن يذهب إليه في تحدّيهم، لا سيّما مع بوادر التحرّكات الأمريكيّة نحو إسقاط النّظام، ظانّاً أنّ خصمه قد فقد القدرة والسّيطرة، أو أنّ الجماهير الّتي أخذت تهتف باسمه [إلك هيبة يا صدر الشّيعة؛ محمّد صادق مركب والشّيعة شراعه...إلخ] وتملأ صلاة الجمعة ستشكّل حاجزاً يمنع النّظام من الإقدام عليه، وسيركع له كما ركع منافسوه وأذلّهم!!

وهنا وقع الخطأ القاتل في الحسابات؛ إذ نسي أنّ خصمه الدّمويّ المجرم هو نفسه الّذي وضعه على المزلق بعد أن ملأه زيتاً، وفتح أمامه الطّريق، وأزاح كثيراً من العقبات من أمام مشروعه، ولم يفعل ذلك لكي يصنع لنفسه خمينيّاً عراقيّاً ينقلب عليه في نهاية المطاف، وإنّما لكي يصنع مرجعيّة عربيّة عراقيّة يستطيع توظيفها في مشروعه الدّاخلي في أيّام النّكسات والحماقات، ويضرب بها خصومه ومنافسيه، ويسيطر على الشّعب بنافذة دينيّة هو من يتحّك فيها!!

فحينما بدأت الأداة تتجاوز الوظيفة المرسومة لها، وتحاول أن تتحوّل إلى مشروع مستقلّ بذاته، ورأى النّظام تمرّدات الصّدر المتصاعدة، وأنّ همّه الأوّل والأخير أصبح صناعة مجدٍ له وزعامةٍ تتجاوز الحدود الّتي سُمح له بها، تغيّرت المعادلة، وبدأ أصدقاء الأمس ينظرون إليه باعتباره مشكلة ينبغي التخلّص منها، فأصدر قرار نهايته، وأخذ يتحيّن الفرصة لتنفيذه بهدوء وسلاسة، وبدأ يفكّر بالبديل، وربّما ببديل بمواصفاته أيضاً!!

وبعبارة أوضح: لم يكن انقلاب الصّدر المتأخّر على النّظام دليلاً بذاته على عدم وجود التّخادم السّابق بينهما، كما يحاول بعضهم ـ لا سيّما السُذّج والبسطاء ـ أن يصوّر؛ إذ لا تناقض بين الأمرين أصلاً؛ فقد تلتقي المشاريع المختلفة في مرحلة من مراحلها لأنّ مصالحها تلتقي، ثمّ تفترق وتتصادم حينما يريد أحد طرفيها تجاوز الحدود المرسومة له؛ ولهذا فإنّ قراءة الأشهر الأخيرة بمعزل عن السّنوات السّابقة تسحق على الحقائق وتحرّف التّاريخ.

وما لم تفهم هذه الحقيقة الّتي دعّمناها وسندعمها بالوثائق الّتي تخرس الألسن، ستبقى تلوك وتعيد وتصقل بمظاهر صلاة الجمعة وهتافاتها، وكأنّ مقتله بهذه الطّريقة يُسقط مهمّة نقده ومحاسبته على ما اقترفه في كلّ تلك السّنين من وقائع وسلوكيّات خطيرة؛ فالشّهادة لا تُسقط هذه الأفعال بالتّقادم، كما أنّ مقتله على يد النّظام ـ على فرض ثبوت ذلك بالصّورة الّتي تُروى ـ لا يمحو تاريخ العلاقة الّتي سبقته، ولا يحوّل سنوات التّخادم إلى سنوات مواجهة بأثر رجعيّ!!

وبكلمة أخيرة: إنّ صناعة المجد الشّخصي لا تكون على أساس سحق الآخرين وإذلالهم، ولا باستلاب عقول الجماهير وزراعة لغة الأنا الحصريّة في أدمغتهم، ولا يصبح ما كان خطأً بالأمس صواباً اليوم لمجرّد أنّ صاحبه انتهى مقتولاً وشهيداً؛ لأنّ المشروع يُقرأ مع صاحبه منذ البداية، لا من النّهاية، فتدبّر قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.