سأنساق مؤقّتاً مع الدّعوى الّتي طالما ردّدها الشّهيد محمّد الصّدر وأتباعه إلى اليوم في تبرير وضع يده بيد حزب البعث، والاستفادة الهائلة من إمكانيّات الدّولة والنّظام آنذاك من أجل صناعة وتدشين وتمرير مرجعيّته، وأؤمن مؤقّتاً أيضاً: بأنّ الشّهيد محمّد الصّدر كان يشعر بتكليفه الشّرعي للقيام بذلك، ولو عن طريق التّعاون والتّخادم مع السّلطان الدّمويّ الجائر، وبالتّزامن مع الحملة الإيمانيّة الّتي أطلقها نظامه آنذاك!!
وهنا أسأل: هل إنّ ما قام به الصّدر من صحوة دينيّة مفترضة كان يدور تحقّقها وجوداً وعدماً على التّخادم مع السّلطة حصراً؛ لكي يُقال: إنّه لم تكن لديه مندوحة ولا خيار غير الاتّفاق أو التّماهي معهم؟! وهل كانت هذه الصّحوة المفترضة، بهذه الطّريقة وبهذا النّهج تحديداً، مُرادة جدّاً وأكيداً من الشّارع المقدّس حسب تعابيرهم واصطلاحاتهم، مهما كانت طرقها ووسائلها؟!
لا شكّ في أنّ الإجابة ستكون بالنّفي؛ لأنّنا حتّى لو آمنّا جدلاً بأنّ على الإنسان مسؤوليّة تجاه نشر دينه وتعاليم مذهبه، فإنّ هذه المسؤوليّة هي بنحو الوجوب الكفائيّ لا العينيّ، وبالتّالي: فلا تنحصر بشخصه ما دام هناك غيره ممّن يقوم بها، ولا تنحصر بطريق محرّم أو مشتبه ما دامت هناك طرق أخرى مفتوحة أمامه.
وفي المحصّلة: الرّسالة العمليّة نفسها، والأحكام نفسها، والحوزة موجودة، والمراجع موجودون، والمذهب لم يكن متوقّفاً في بقائه على ظهور مرجعيّة جديدة تتعاون مع النّظام لكي تنقذه!! بل أحدثت في المذهب ومكوّنه الاجتماعيّ شرخاً لا يندمل إلّا بقدرة قادر على المستوى البعيد، وصارت أوصاف المرجع النّاطق والصامت في الشّوارع تتداولها الصّبيان، وتحوّل السّباب والشّتائم والتّهريج والادّعاءات الفارغة والانتفاخات الكاذبة كوماً بقرش، أمّا بعد مقتله واستلام جماهيره السّلطة والسّلاح، فواويلاه ثمّ واويلاه!!
بل ولو تجاوزنا ذلك واقتصرنا على الفتاوى الفقهيّة الّتي قدّمها كتسهيلات من أجل تقليده فنرى العجب العجاب؛ حيث ساهمت جملة منها في تدمير البنية الأخلاقيّة للفرد ناهيك عن بنية الدّولة بما هي دولة؛ حيث جوّز الغشّ في الامتحانات، وأجاز نكاح الصّغار القاصرات دون علم أهلهنّ ودون دخول، وأباح السّحر والشّعوذة وتحضير الأرواح بل وفتح باب جواز الزّواج بالكائنات الفضائيّة والجنّ وأشباه ذلك... إلخ من تسهيلات.
ثمّ ما معنى أن تشعر بتكليفك الشّرعي بالمرجعيّة، والمفترض أنّ بقيّة المراجع موجودون، وأنّ السّبزواري ومن ثمّ السّيستاني والغروي والبروجردي وسعيد الحكيم في النّجف، وغيرهم كثيرون في قمّ أيضاً، وحتّى من طلّاب ابن عمّ والدك أيضاً ممّن ترى فيهم الأعلميّة، ولهم حضور علميّ وحوزويّ، فهل كان دين النّاس سيتعطّل لو لم يصبح محمّد الصّدر مرجعاً أعلى؟! وهل كانت الصّلاة والصّيام والحجّ وبقيّة أحكام الدّين ستتوقّف لولا دخوله في هذا المشروع؟! أو أنّ العراق سيصبح كتايلند من حيث كثرة بائعات الهوى أو الهند من حيث كثرة المذاهب وتنوّعها؟!
وفي الحقيقة: إنّنا لا نستطيع أن نمنح نوايا الشّهيد محمّد الصّدر براءة نيّة، ناهيك عن براءة ذمّة في التّعاون والتّخادم مع النّظام بهذا العرض العريض، إلّا إذا انحصر أمر دين النّاس بهذا المنفذ فقط، وبشخصه لا غير، ولم يكن هناك طريق آخر يمكن من خلاله أداء ما يراه تكليفاً شرعيّاً حسب تصوّراته.
أمّا إذا فرضنا وجود بدائل شرعيّة لا تُدخل الإنسان في هذه المعمعة، وهي قائمة بالفعل من خلال مرجع أو مراجع متّفق على علمهم وفقاهتهم بين الطّائفة، فدعوى التّكليف الشّرعي لا تكفي وحدها لتسويغ اختيار هذا الطّريق؛ لأنّ الكلام ليس في أصل خدمة الدّين، وإنّما في الوسيلة الّتي اختارها للوصول إلى ذلك.
والدّليل على ذلك: أنّ الطّائفة والشّيعة والمذهب كانت ستستمرّ لو أنّ الصّدر استمرّ في مسلك التقيّة المكثّفة وجلس في بيته، أو طرح مرجعيّته من دون التّعاون مع النّظام، وبالإمكانيّات الذّاتيّة الّتي يمتلكها. فلم يكن وجود المذهب وبقاؤه متوقّفاً عليه، ولا كانت مرجعيّته هي الطّريق الوحيد لحفظ دين النّاس!!
بل نرى أنّ مرجعيّة السّيستاني نفسها، ناهيك عن غيرها، تحمّلت في وقتها ولاحقاً أيضاً عبئاً ثقيلاً جدّاً بسبب ما خلّفته تلك المرحلة من انقسامات وصراعات داخل الوسط الشّيعي والحوزوي، وما تركته من آثار لا تزال ممتدّة إلى اليوم.
وهذا كلّه يدفعنا إلى إعادة السّؤال من أساسه: إذا لم يكن المشروع ضرورةً دينيّةً منحصرةً بشخص الصّدر، ولم يكن التّخادم مع النّظام طريقاً وحيداً لتحقيقها، فلماذا اختار الصّدر هذا الطّريق تحديداً؟! ولماذا اقترنت صناعة المرجعيّة بالصّراع مع المنافسين ومحاولة إضعافهم وإسقاطهم وتفسيقهم وليّ أذرعهم؟!
وفي ضوء ما تقدّم من معطيات وبيانات وتحليل: فنحن نقرأ مشروع الشّهيد محمّد الصّدر بوصفه مشروعاً شخصيّاً دخلت في تكوينه، إلى جانب الدّيني والسّياسي، دوافع الصّراع والتنافس والرّغبة في كسر نفوذ بعض الأسر المرجعيّة والدّينيّة؛ حتّى بدا تمريغ أنوف بعض الخصوم غايةً تستحقّ دفع أثمان كبيرة في سبيلها، خصوصاً مع تلك السّنوات العجاف الّتي عاشها، ولو استلزم هذاالأمر تخادماً مع السّلطان الجائر.
نعم؛ لو كانت دائرة تخادم الصّدر مع النّظام السّابق مقتصرةً على طرح مرجعيّته بالّتي هي أحسن، من دون الذّهاب إلى الأخير في تهديم منافسيه وتفسيقهم والإضرار بهم، لأمكن السّكوت تجاهها والقول: بالنّهاية كانت حدود تخادمه مقتصرةً على بناء مشروعه من دون الإضرار بالآخرين!!
لكنّ ما رأيناه وشاهدناه في الوثائق الّتي عرضناها، وما صرّح به بنفسه وبشحمه ولحمه، يرسم صورةً أخرى؛ حيث قال بما معناه: كنّا في السّابق ضعفاء ولا طريق لنا إلّا تفسيق الآخرين وذكر عيوبهم، وبعد أن فتحها الله علينا أكثر من الّلازم ينبغي تجاوز ذلك!!
وفي الأخير نُقرّر: إذا كان "التّكليف الشّرعي" يمكن أداؤه من دون التّخادم مع السّلطة، ويمكن أداؤه من دون إضعاف الآخرين والإضرار بهم، وكان أصل الدّين والمرجعيّة والحوزة قائماً من دونه، فما الّذي بقي من دعوى الضّرورة الّتي يُراد بها تبرير ذلك كلّه؟! فتدبّر قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.