وفق جميع المعطيات العسكريّة الطّبيعيّة، كانت خسارة الإمام الحسين في كربلاء أوضح من أن تُبرهن؛ إذ كان يواجه آلاف المقاتلين بعدد قليل من الأنصار، ولا توجد أيّ معطيات عقلائيّة توحي بإمكان تحقيق نصر عسكريّ.
**لكنّ السّؤال الجادّ الّذي يفرض نفسه هو: إذا كان الإمام الحسين يعلم ـ كما تقول القراءة الرّسميّة المتأخّرة والمعاصرة ـ أنّ مقتله محتّم فلماذا تأخّر في البراز، وقدّم أصحابه واحداً بعد آخر، ثمّ قدّم أهل بيته، وجعل نفسه آخر من يقاتل؟! ولماذا قدّم أصحابه من غير الهاشميّين أوّلاً؟! **
فإن قيل: إنّ بقاء القائد إلى آخر لحظة ضرورة عسكريّة؛ قلنا: هذا إنّما يتمّ إذا كان هناك أمل بتحقيق النّصر، أو بإدارة المعركة، أو بإحداث تحوّل فيها. أمّا إذا كان القائد يعلم يقيناً أنّ المعركة محسومة سلفاً، وأنّ مقتله واقع لا محالة حسب الفرض، فلا يبقى لهذا التّأخير أيّ معنى معقول.
بل لو خرج الإمام الحسين بنفسه في بداية القتال، وانتهت المعركة بمقتله، لتوقّف القتال عمليّاً؛ لأنّ المطلوب ـ بحسب الوقائع ـ كان شخصه ورأسه، لا جون، ولا حبيب، ولا زهير، ولا بقيّة أصحابه وأهل بيته.
ومن هنا احتمل كبار مؤسّسي الطّائفة أنفسهم أنّ الإمام الحسين لم يكن يتوقّع أن يُقدم القوم على قتله لمكانته من الرّسول، أو كان يحتمل أن تنتهي الأزمة بتسوية لا تفضي إلى قتلته بطريقة أخرى، ولهذا رأيناه يتدرّج في إدارة الموقف، ويقدّم هذه القرابين بين يديه، أملاً في أن تتغيّر المعادلة، أو أن يتراجع خصومه عن قرارهم.
ولهذا لا تصلح هذه النّقطة لتسويق كربلاء إلى أحرار العالم بوصفها نموذجاً أعلى في القيادة؛ لأنّهم يرون فيها أسئلة أخلاقيّة وعقلائيّة كبيرة يصعب تجاوزها؛ إذ كيف تُسلّم عائلتك ونساءك وأطفالك إلى هذا المصير، وكان بإمكانك السّعي إلى إخراجهم من ساحة الصّراع؟! وكيف تُقدّم أصحابك وأهل بيتك واحداً بعد آخر، وأنت تعلم ـ بحسب هذا الفرض ـ أنّ المطلوب هو رأسك وحدك، وأنّ مقتل الجميع لن يغيّر من النّتيجة شيئاً؟!
إنّ هذه الإشكالات لا تجد جواباً منسجماً إلّا إذا قرأنا كربلاء بوصفها حادثةً بشريّةً خالصة، كان الإمام الحسين يتحرّك فيها وفق ما يراه ويقدّره في حينه، لا أنّه كان يعلم جميع تفاصيلها سلفاً، ثمّ مارس دور الجاهل أمام أهله وأصحابه ونسائه، فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.