لم يثبت في مكان ما أنّ الإمام الحسين كان قد تمنّى على سامعي مقتله البكاء والنّوح عليه، كما لم يثبت أنّه قد وعد بالأجر الدّنيويّ والأُخرويّ لمن يلطم وجهه أو صدره أو يطبّر هامته من أجله، فضلاً عن أن يكون مكترثاً أو مهتمّاً بأن يُبنى منبر باسمه من أجل تعميق مفهوم العاطفة في نفوس الأمّة على حساب الحقيقة، بل المرويّ أنّه منع شقيقته عن ذلك.

نعم؛ كلّ ذلك لم يكن في وادي اهتمامات الإمام الحسين بالمُطلق؛ وأنّما تتلخّص حادثته في كونه وقع ضحيّة غدر أهل الكوفة وخيانتهم، فحاول الخروج من الأزمة بشتّى الطّرق فلم يتهيّأ له ذلك إلّا بالذلّة، فشخّص بتقديراته وحساباته الخاصّة أن المواجهة هي الخيار الأسلم المنسجم مع طبيعة تركيب شخصيّته، فحصل ما حصل.

وبعد قتله استُغلّ أبشع استغلال؛ فولد الحسين المذهبي من أجل تمرير هذه الحكايات لأجندات أُسريّة وسياسيّة خاصّة؛ فصار الرّسول نفسه قد نصب العزاء والمأتم عليه عند إحدى زوجاته أو أخت الأخرى، وكان جبرائيل قد جلب له بعضاً من تراب كربلاء وأودعها عندها في قارورة، وصارت فاطمة وعليّ والحسن يعلمون بمقتله ويندبونه، وكان نفسه يعلم بهذا المصير فصار ممثّلاً بارعاً في جميع تحرّكاته ومفاوضاته، وتمّ تعميق مفهوم البكاء والإبكاء حتّى وصل الحال إلى تسويغ نقل الأكاذيب في سبيل ذلك، وأخذت مفاهيم الشّعائر الحسينيّة تتطوّر وتتعمّق في نفوس الجماهير حتّى صارت جزءاً من ذواتهم بل هي ذواتهم، وصار المنبر أعظم من الوزارة الّتي يعتاش فيها الموظّفون باستمرار.

نعم؛ يجب أن نصدّق بأنّ الوقوف على حقيقة هذه الأمور بنحو علميّ جادّ لن يتحقّق ما لم نميّز جيّداً بين معالم الحسين الحقيقيّ والحسين المذهبي، وبهذا نتمكّن من التّمييز بين الأصيل وبين الدّخيل، بين الواقعيّ وبين المزيّف، بين الحقيقيّ وبين المذهبي، فليُتدبّر كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.