بعد أن وصلت رسالة الصّدر إلى الغروي عن طريق نجله مصطفى، وأوصلها الغرويّ إلى جهاز المخابرات عن طريق مصدره المتعاون شيخ فلان المرقّم لدى جهاز المخابرات برقم 653 أو 652، وبعد أن كتبت الأجهزة الأمنيّة تقريراً بالحالة إلى الجهات العليا وقدّمت مقترحاتها، جاء الجواب بالنّحو التّالي: رسالة سرّيّة وفوريّة، وقت وتاريخ الإنشاء: 25/4/1998 من/م5/10/3/2 إلى/م5/10/1/2 رقم المُنشئ (805) إلحقاقاً برسالتنا 801 في 25/4/1998 قام المرجع العراقي محمّد محمّد صادق الصّدر بإرسال رسالة إلى المرجع الإيراني علي الغروي؛ يدعوه فيها لحضور صلاة الجمعة، ويعده بأن يقدّمه كإمام جماعة في بعض الجماعة في حالة حضوره.

قام بإيصال الرّسالة إلى الغروي العراقي مصطفى الصّدر (ابن المرجع محمّد الصّدر)، وقد طلب الغروي فترة مناسبة للردّ على الصّدر.

طلب الإيراني علي الغروي من صهره اللّبناني محمّد الفقيه معرفة رأي الدّولة حول الموضوع من خلال علاقاته، وقد قام اللّبناني محمّد عليّ الفقيه بإعلامنا بالموضوع لمعرفة رأينا.

نرتأي أن يتم مقابلة اللّبناني محمّد الفقيه، وإعلامه بعدم وجود أيّ مانع من حضور صلاة الجمعة وأداءه الصّلاة خلف الصّدر؛ (لأنّ ذلك سيؤدّي إلى تقوية ودعم موقف الصّدر)، وكذلك عدم الممانعة في حالة قيام الصّدر بتقديم علي الغرويّ كإمام جماعة كوكيل له في بعض الجمعات. سنقوم بتزويدكم بنسخة من الرّسالة لاحقاً. انبؤونا. التّوقيع: م.م5/10/3 25 نيسان 1998 المرسل: محمّد المستلم: محمود استلم الواحدة وسبعة وثلاثين دقيقة ظهراً". [انتهى ما في الوثيقة].

أقول: ويحسن بنا الإلماع إلى ملاحظات:

الأولى: الوثائق أعلاه تكشف عن تغلغل أجهزة المخابرات في عمق المؤسّسة الحوزويّة النّجفيّة في ذلك الحين، بحيث توظّف أسماء مشايخ قد لا يخطر على بال بعض المتابعين الجُدد أنّها كانت على صلة بهذه الأجهزة، أو أنّها تؤدّي دوراً في نقل المعلومات إليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة!!

الثّانية: حينما يعرف بعض من لا خبرة له بهذه الأسماء حقيقتها، سوف يقوم بربط الأحداث فوراً، وكيف أنّ هذا الاسم كان هنا، ورأيته هنا، وتحدّث هكذا، وفعل هكذا، وفي ذلك الوقت لم يكن له جواب معقول لتصرّفاته، أمّا الآن وقد اتّضحت الأمور، فقد وُضعت النّقاط على الحروف بالنّسبة له تماماً!!

الثّالثة: إنّ جهاز المخابرات كان يرى ـ إلى تلك اللّحظة، ورغم رصده المتزايد لتمرّدات الصّدر على تحالفه السّابق ومساعيه لقلب ظهر المجن تجاه أولياء نعمة الأمس ـ ضرورة الالتزام بتطبيق توصيات القصر الرّئاسيّ القاضية بدعم المرشّح العراقيّ للمرجعيّة محمّد محمّد صادق الصّدر وفقاً لتعابيره؛ إذ بقي يقدّم النّصح والمشورة للحفاظ على المسار العامّ، وأوصى بإبلاغ الغروي بأنّ صلاته في الكوفة مأموماً أو إماماً بعنوان وكيل للصّدر مسألة تدعم مرجعيّة الصّدر، وهو مطلب مخابراتيّ رئيسيّ تناغمت معه ـ بحسب ما عرضناه من وثائق ـ الأجهزة الأمنيّة لحزب البعث من أجل إنجاحه رغم تحفّظات جهاز المخابرات عليه في بداية الأمر كما نوّهنا ووثّقنا سلفاً فراجع.

الرّابعة: يبدو أنّ هذه الرّسالة جعلت الغروي يُراجع حساباته تماماً، وربّما وجد أنّ الأحوط عدم الحضور طالما كان موقف أجهزة المخابرات والأمن عدم الممانعة؛ وربّما شعر بوجود فخّ ما، خصوصاً وهو يعلم بأنّ حضوره للصّلاة خلف الصّدر، ولو بعنوان إمام موكّل من الصّدر نفسه، يعني سقوطه حوزويّاً بالكامل!!

سنتابع بقيّة الأحداث وأساساتها المخابراتيّة بالتّفصيل حتّى مقتل الغروي وما بعده، وحينها سنرى المدهشات، فتدبّر وتأمّل وافهم، ولن تفهم، والله من وراء القصد.