لا أجد معنى للدّعوات السّياسيّة والحزبيّة الّتي تُطلق من هنا وهناك للمطالبة بضرورة تشذيب ما يُسمّى بالشّعائر الحسينيّة، وفرز الأصيل عن الدّخيل؛ لأنّ هذه الطّقوس ـ في حقيقتها ـ أصبحت متنفّساً اجتماعيّاً ونفسيّاً حقيقيّاً للشّاب والشّايب، ولا يمكن اقتلاعها بمقالة أو خطاب أو قرار أو حتّى فتوى!!

يقضي النّاس أيّامهم في الطّبخ [لا سيّما القيمة النجفيّة]، والتّحضير، والخدمة، والّلقاءات، ويشعرون بالوناسة والمتعة وهم يستمعون إلى مكرّرات خطباء المنابر والألحان الغنائيّة الّتي يتبارى فيها الرّواديد، سواء على طريقة اللّطم النّجفيّة، أو الكربلائيّة، أو الشّور وقفزاته المطعّمة بمفردة حسين مع حذف الحاء. وهي متعة لا يشعر بها إلّا من مارسها وعاش أجواءها، أمّا طريقة النّساء في التّعزية واللّطم فلها عالمها الّذي يعرفه أهله.

وحتّى الدِّمّامات، والمشاعل، والگواني الخاصّة بها ـ وهي مفردات لها وقعها الخاصّة إذا ما سمعتها بالّلهجة النّجفيّة ـ وسائر المظاهر الملازمة لهذه المواسم، فهي عند جمهورها جزء من هذه المتعة، كما أنّ السّلاسل المموّسة، والقامات الحادّة، وقبلها مواكب المشق، أصبحت عند بعضهم طقوساً اعتادوها، ويجدون فيها نوعاً من التّفريغ النّفسي والاجتماعي.

لكن ينبغي أن يعلم هؤلاء الشّباب والشّياب أيضاً: أنّ هذه الطّقوس ليست أكثر من وسائل تفريغ مباحة لمن أراد ممارستها، ولا يوجد أيّ دليل معتبر يمنحها ثواباً أخرويّاً خاصّاً، نعم؛ قد يحصل بعض روّادها على مكاسب وثواب دنيويّ مالي كما هو شأن الخطباء والرّوايد حيث مهنتهم الّتي يعتاشون عليها، لكنّ هذا مطلب آخر، ولا علاقة له بدعوى الأجر الأخرويّ الخاصّ الّتي تروّجها المنابر. فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.