لا أزال لا أفهم المغزى الّذي يدعو الإمام الحسين "بصيغته المذهبيّة المنبريّة" إلى الظّهور بمظهر الممثّل أمام أولاده ونسائه وأصحابه، حتّى في اللّحظات الأخيرة من واقعة كربلاء؛ إذ كيف ينسجم ذلك مع دعوى علمه اليقينيّ بمقتله، وتفاصيل مصيره، ومكان شهادته، وأنّ الأمر كلّه كان مخطّطاً له سلفاً بعناية إلهيّة؟!
والأغرب من ذلك كلّه: أنّه يدفع أصحابه واحداً بعد آخر إلى القتال بين يديه، مع أنّ المطلوب ـ بحسب جميع المعطيات ـ شخصه ورأسه، لا جون، ولا حبيب، ولا زهير، ولا غيرهم.
فإذا كان يعلم أنّ مقتله حتميّ لا محالة، فلماذا لم يبدأ بنفسه القتال أوّلاً، ويترك الخيار بعد ذلك لمن بقي معه؟! فإن قاتلوا فباختيارهم، وإن استسلموا بعد أن توثّقوا بأنّ المدد الإلهي المفترض لن يأتي انتهى كلّ شيء؛ لأنّ المعركة كانت ستتوقّف عمليّاً بمقتله، ولا يبقى أيّ مبرّر لإزهاق بقيّة الأرواح، وسيعيد الآخرون التّفكير الآني بقراراتهم.
ثمّ ما هي المصلحة الّتي شخّصها الإمام الحسين في تكثير الخسائر بهذه الطّريقة، وإفناء جميع أولاده، وإخوته، وأبناء عمومته، ومقرّبيه بين يديه، لتُصبح نساؤهم وبناتهم بعد ذلك بلا والٍ ولا معيل، وتُضطرّ كثيرات منهنّ إلى الارتباط برجال لم يخترنهم، وربّما لا يستحقّونهنّ أصلاً؟!
إنّ هذه الأسئلة وغيرها هي الّتي دفعت فقهاء الطّائفة إلى إقفال ملفّ الحسين وكربلاء عمليّاً، وإحالته إلى المنابر والخطباء ليتصرّفوا فيه كيفما أحبّوا؛ لأنّهم أدركوا أنّه لا يمكن استنباط قاعدة فقهيّة عامّة من هذه الواقعة، بعد أن وجدوا سلوك الإمام فيها يتعارض مع النّصوص القطعيّة وعموماتها الّتي استنبطوا منها أحكامهم في حفظ النّفس، وحرمة إلقائها في التّهلكة، ووجوب مراعاة المصالح والمفاسد.
ولهذا لا تجد للفقيه موقفاً فقهيّاً يُحتجّ به من تفاصيل كربلاء، وإنّما تُركت الواقعة للمنبر والعاطفة والشّعائر، بل جعلها بعضهم تكليفاً خاصّاً به، بينما بقي الفقه يستمدّ أحكامه من العمومات والنّصوص الأخرى؛ لأنّهم أدركوا أنّ إدخال كربلاء في عمليّة الاستنباط سيُنتج إشكالات لا تنتهي.
ولا تجد لهذه الأسئلة جواباً معقولاً إلّا إذا تخلّيت عن القراءة المنبريّة الّتي تجعل الإمام عالماً بجميع تفاصيل مستقبله، وعدت إلى قراءة الحدث بوصفه واقعةً بشريّة خالصة، كان الإمام الحسين يتحرّك فيها وفق ما يراه ممكناً في كلّ مرحلة، شأنه شأن أيّ قائد يخوض صراعاً سياسيّاً وعسكريّاً، لا أنّه كان يؤدّي دوراً تمثيليّاً كُتب له مسبقاً، فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.



لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.