لم تكن حوادث السّلب والنّهب الّتي مارسها الإمام الحسين مقتصرة على القافلة الّتي سلّبها وهو في طريقة إلى العراق في أيّام يزيد، بل مارسها أيضاً في أيّام معاوية. فقد حكى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة واقعة عدّها من شواهد سعة صدر معاوية وصدق فراسته، وخلاصتها: أنّ قافلةً كانت تحمل أموالاً وحُللاً وعنبراً وطيباً من اليمن إلى معاوية، فلمّا مرّت بالمدينة وثب عليها الإمام الحسين، فاستولى عليها، وقسّمها بين أهل بيته ومواليه، ثمّ كتب إلى معاوية: أمّا بعد؛ فإنّ عيراً مرّت بنا من اليمن تحمل مالاً وحُللاً وعنبراً وطيباً إليك؛ لتودعها خزائن دمشق، وتعلّ بها بعد النّهل بني أبيك، وإنّي احتجت إليها فأخذتها، والسّلام.

وقد تعامل معاوية مع الحادثة بهدوء ودبلوماسيّة لافتة جدّاً؛ حيث كتب إليه: يا حسين، لم تكن جديراً بأخذها إذ نسبتها إليّ؛ لأنّ الوالي أحقّ بالمال، ثمّ عليه المخرج منه، وايم الله، لو تركتها حتّى تصير إليّ، لم أبخسك حظّك منها، ولكنّي قد ظننت يا ابن أخي أنّ في رأسك نزوة، وددت أنّها تكون في زماني فأعرف لك قدرك وأتجاوز عنها، ولكنّي والله أتخوّف أن تُبتلى بمن لا يُنظرك فواق ناقة.

بلى؛ إنّ هذه الحادثة وأمثالها لا يمكن للباحث الجادّ أن يفصلها عن الخلفيّات الّتي أفضت إلى واقعة كربلاء؛ إذ تكشف بوضوح أنّ الاحتقان بين الطّرفين لم يكن وليد لحظته، وإنّما كان يتراكم عبر السّنين بفعل الصّراع على المال، والسّلطة، والنّفوذ، والفروج، كما أوضحنا شواهد ذلك في بحوث سابقة أيضاً.

ولهذا تنبّه معاوية نفسه إلى أنّ استمرار هذه الطّريقة من الإمام الحسين سيُفضي إلى مواجهة مع رجل لا يمتلك طبعه في الاحتواء والتّجاوز، فحذّر الإمام من اليوم الّذي يكون فيه طرفه المقابل غيره، فوقع ما كان يتخوّفه بالفعل، ولات حين مناص، فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.