أكثر ما يستفزّني بعض المراهقين فكريّاً حين يردّدون بثقة: إنّ الشّهيد محمّد الصّدر أحدث صحوةً دينيّة رهيبة وعظيمة، وإنّ قناة الشّباب والرّقص والأغاني والغجر والسّفور والوهابيّة... إلخ، كانت تكاد تفتك بالمجتمع العراقيّ لولا مشروعه الإلهيّ!!
ولكنّا لنسألهم سؤالاً بسيطاً: ما هو المنتج النّهائيّ لهذه الصّحوة؟!
بعد نحو أربع سنوات فقط سقط النّظام، وخرج إلى السّطح ذلك الجيل "المؤمن" الّذي قيل إنّ الشّهيد ربّاه وصنع وعيه؛ فتحوّلت أجزاء واسعة من المحافظات الجنوبيّة والوسطى في العراق إلى ما يشبه "الدّعشنة الشّيعيّة": غلوّ، وإقصاء، وتجريم، وتفسيق، وعنف، وصراعات دينيّة ومسلّحة أحرقت الأخضر واليابس.
وبعد اللتيّا والّتي، ولا نُريد أن نخوض في تفاصيل واضحة، وبعد أن هاجر كثير من قادة تلك المرحلة إلى البلدان المجاورة وغيرها، واحتكّوا بمجتمعات مختلفة وأكثر تنوّعاً ونضجاً، ورأوا بأعينهم أنّ "الشّغلة لاگفة طين"، وأنّ كثيراً من الدّين الّذي حُشي في أدمغة الجماهير إبّان التّسعينيّات والحصار لا قابليّة لتطبيقه في مجتمع حديث ولا جدوى اجتماعيّة من كثير من تفاصيله؛ بدأ الخطاب نفسه يتبدّل شيئاً فشيئاً.
فصاروا يتحدّثون عن السّياسة، والدّيمقراطيّة، والرّأي والرّأي الآخر، والتّعايش، و«موسى بدينه وعيسى بدينه، خلِّ إيدك بالفلّينة»!! بل إنّ الألحان الغنائيّة الّتي كانت محرّمةً بالموازين الفقهيّة، ويُفسّق سامعها وتُحطّم أشرطته، تحوّلت هي نفسها ـ بعد تبديل الكلمات ـ إلى أناشيد إسلاميّة شرعيّة مقاومة!!
وهذا كلّه يؤكّد ـ في تقديري ـ أنّ الشّهيد محمّد الصّدر لم يكن يمتلك تجربةً اجتماعيّةً واسعةً تؤهّله لاستشراف مآلات مشروعه وتوقّع ما يمكن أن تفعله الجماهير حين تُشحن بخطاب دينيّ حادّ ثمّ تُترك في لحظة شهادة غير مدروسة النّتائج، وانهيار سياسيّ وأمنيّ شامل؛ وقد ساهمت عزلته الطّويلة عن المجتمع العراقيّ الأوسع، فضلاً عن المجتمعات الخارجيّة، في تضييق أفق هذه التّجربة.
ولهذا فلا يكفي أن نسأل: هل أحدث الرّجل صحوةً دينيّة؟ بل ينبغي أن نسأل السؤال الأهمّ: ما الوعي الّذي أنتجته هذه الصّحوة، وما الّذي فعلته حين أُتيح لها أن تتحوّل من الموعظة إلى السّلطة والسّلاح؟!
ومن هنا يمكن فهم لماذا بدت تجربة المراجع الأكثر هدوءاً وأقلّ تعبئةً جماهيريّةً [الصّامتين حسب وصفهم] في بعض جوانبها أقلّ كلفةً من التجارب الثّوريّة بصيغتها العراقيّة في المنشأ والمصنع؛ حيث تشظّت بعد سقوط النّظام إلى جماعات وتيّارات ومرجعيّات متنازعة على الغنائم، فليُتدبّر قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.


لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.