قد يتصوّر من لا خبرة له بتفاصيل تجربة الشّهيد محمّد الصّدر أنّ ارتداءه الكفن، وتصريحاته المتكرّرة في خطبه وبياناته باحتمال موته، كانا تعبيراً عن توطينه نفسه على القتل الحتميّ على يد النّظام العراقيّ السّابق، وإدراكه الكامل لاحتمال غدر النّظام به في أيّة لحظة!!
لكننا إذا أردنا قراءة المسألة بمنطق واقعيّ، وبما يُسمّى في لغة الأصوليّين بـ "مناسبات الحكم والموضوع"، أو حتّى لغة التّسانخ والتّناسب الفلسفيّة، واستحضرنا سيرته وطبيعة حركته طوال العقود السّابقة، فمن غير المعقول الذّهاب إلى هذا الفهم؛ إذ لا يُعقل أن يقضي شخص غالبيّة سنوات عمره في الحيطة والحذر وطأطأة الرّأس والانعزال والتخفّي الشّديد حفاظاً على حياته وأهدافه، ثمّ "يدوس دگمة" فجأةً فيتحوّل إلى طالب شهادة لا يبالي بالعواقب!!
هذا التّفسير لا ينسجم مع أصل توجّهاته ولا مع المشاريع الّتي كان يحملها في رأسه، أو الّتي تتوالد آنيّاً لديه في ضوء متغيّراته؛ بل كان يعلم ويصرّح أيضاً أنّ مقتله بالطّريقة نفسها الّتي قُتل بها أستاذه وابن عمّ والده السيّد محمّد باقر الصّدر لن يحقّق بالضّرورة الأهداف الّتي يريدها لمشروعه، وقد كان يعبّر عن مثل هذه النّهاية بـ "الشّهادة الباردة" الّتي يُشكل القوم بمشروعيّتها، ويقرّر بأنّه لا يريد شهادةً لا تُنتج الأثر الّذي يطمح إليه.
فالرّجل كان يفكّر في مشروع مرجعيّ واجتماعيّ واسع، بل وتسنّمه السّلطة على طريقة وليّ الفقيه، ومقتله المفاجئ سيترك وراءه قاعدةً جماهيريّة ضخمة من دون قيادة قادرة على احتوائها وضبط اتّجاهاتها، وهو ما يجعل افتراض أنّه كان يسعى عمداً إلى هذه النّهاية بعيداً عن مجمل سيرته ومشروعه.
نعم؛ ما يُعاب عليه أنّه لم يضع مثل هذه النّتيجة في حسابات مشروعه، ولم يستعدّ لمآل كهذا؛ إذ إنّ معرفة إمكان القتل شيء، وبناء المشروع على احتمال وقوعه القريب شيء آخر. وحين قلنا في مقال سابق: إنّه لم يكن يحتمل أن يقتله النّظام، فلم يكن المراد استحالة خطور هذا الاحتمال في ذهنه، وإنّما عدم دخوله في حساباته العمليّة بوصفه مآلاً قريباً يمكن أن ينهي مشروعه فعلاً.
أجل؛ كان الشّهيد محمّد الصّدر يحسب أنّ بإمكانه الاستفادة من المساحة الّتي أتاحها له النّظام، ومن الضّوء الأخضر الّذي كان يتمتّع به في بعض مراحل حركته، وأن يوسّع مشروعه شيئاً فشيئاً حتّى يعيد ـ بطريقته العراقيّة ـ تجربة أستاذه السيّد الخميني؛ فيصنع قاعدةً جماهيريّة عريضة، ويفرض على النّظام واقعاً وضغطاً متصاعدين، إلى أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها التّراجع أمامه أو إقصاؤه أمراً بالغ الكلفة، وربّما تنتهي الأمور ـ بحسب حساباته ـ إلى انتقال مقاليد واسعة من السّلطة والنّفوذ إليه.
لكن الحسابات لم تجرِ كما أراد؛ فحين رأى النّظام أنّ مساحة الحركة تتّسع، وأنّ الخطاب بدأ يتجاوز الحدود الّتي يمكن احتماله ضمنها، تعامل معه بمنطق مختلف تماماً؛ فتغدّى به قبل أن يتعشّى الشّهيد به!!
ومن هنا فإنّ ارتداء الكفن لا ينبغي أن يُقرأ وحده بوصفه دليلاً قاطعاً على تحوّل الشّهيد محمّد الصّدر إلى مشروع استشهاد متعمّد؛ بل الأقرب أنّه كان إجراءً مرحليّاً وتكتيكاً تعبويّاً لرفع سقف المواجهة، وإظهار الاستعداد لتحمّل المخاطر، من دون أن يعني ذلك تغيّراً جذريّاً في أصل رؤيته الّتي كانت ترفض "الشّهادة الباردة" وتريد بقاءه حيّاً لاستكمال المشروع.
وبعبارة أخرى: لم تكن المشكلة في أنّه لم يعرف خطورة النّظام مطلقاً، وإنّما في أنّه أخطأ في تقدير الحدّ الّذي يمكن للنّظام أن يسمح له بالوصول إليه، وأخطأ في حساب اللّحظة الّتي سيقرّر فيها خصمه إنهاء اللّعبة كلّها، فكانت شهادته بهذه الطّريقة انتكاسة مهولة لأهداف مشروعة الممرحل، وليس ربحاً كما يظنّ العاطفيّون والمستفيدون، فليُتأمّل قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.