قد تتخيّل، بعد أن أسمعناك حديث الشّهيد محمّد الصّدر الّذي نعى فيه شيوع ظاهرة رفع راية الأعلميّة والتّنافس بين المراجع ومقلّديهم، أنّ هناك تحوّلاً وتضادّاً يُناقض سيرته ومسيرته في رفع هذه الرّاية إلى الأخير من أجل طرح مرجعيّته وإقناع جمهوره بها!!
لكنّ هذا التخيّل مجرّد وهم؛ وذلك لأنّ طرحه لهذه المقدّمة لم يكن تنازلاً استراتيجيّاً منه عن وجهة نظره السّابقة، ولا إيماناً منه باحتمال أعلميّة غيره وتصحيح تقليده أصلاً، وإنّما هو إجراء تكتيكيّ جاء في سياق حديثه مع المشايخ الّذين وضعهم متولّين على المدارس وأوقاف المراجع الّتي اغتصبها، وتحديد آليّة التّعامل مع الطّلبة الّذين يتحدّثون عن أعلميّة غيره.
لقد أخبره متولّو المدارس بأنّ هناك طلّاباً يتحدّثون عن أعلميّة غيره، فما هو الحلّ بالنّسبة إليهم؟! فمهّد الصّدر بمقدّمة أخلاقيّة نعى فيها التّنافس بين المراجع ورفع راية الأعلميّة، وأنّ هذا بلاءٌ ابتُلينا به، لينتهي إلى نتيجة واضحة: من يريد تقليد غيرنا ويبقى ساكتاً فلا عليكم به، أمّا من يجاهر ويتحدّث بذلك، فلبّسوه الباب!!
نعم؛ ما لم تميّز بين منهج ومفردات وخطاب الشّهيد محمّد الصّدر كمنظومة استراتيجيّة متكاملة مترابطة، وبين هذه الأمور التّكتيكيّة كجزئيّات متناثرة، لا يُمكنك أن تفهم برغماتيّته الواضحة في التّعامل مع الخصوم المنافسين، وستبقى مغترّاً بحديث جزئيّ له هنا أو هناك يأخذ بمجامع قلبك، دون فهم لدواعيه وأسبابه ومبرّراته؛ فتفطّن قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.

لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.