تُشير الوثائق المُسرّبة من أجهزة الأمن والمخابرات العراقيّة في حقبة مرجعيّة الشّهيد محمّد الصّدر إلى تعاونها الواضح والبنّاء في تشييد هذه المرجعيّة، والسّعي الحثيث لفرض هيمنتها ونفوذها في سياق أهداف الحملة الإيمانيّة الّتي تبنّاها أركان النّظام آنذاك، وهذا لا يعني بالضّرورة أن يكون الشّهيد محمّد الصّدر موظّفاً لديهم، وإنّما المعقول والمقبول جدّاً ـ حسب قراءتنا لمجمل الوقائع والوثائق ـ أنّه تماهى مع أهدافهم من أجل الوصول إلى أهدافه، بل وأغرق في هذا التّماهي أيضاً، ووجدها فرصةً ثمينة لتمريغ أنوف بعض الأسر الّتي كان يراها سبباً في البلاء والمضايقات الّتي حلّت بآل الصّدر، وعرقلت طموحهم في المرجعيّة العامّة، أو حتّى الحدّ الأدنى من العيش الكريم.

وبين أيدينا وثيقة مسرّبة عن أجهزة المخابرات في ذلك الوقت، ومضامينها وقرائنها الدّاخليّة كاشفة عن صحّة صدورها، وهي عبارة عن توصيات وخطّة تنتظر الموافقة على تنفيذها، والواقع اللّاحق يشهد بتحقّق جملة مهمّة من مفرداتها بخصوص الصّدر. وقد صدرت بتاريخ العاشر من تمّوز لعام 1994م، الموافق ـ بمعزل عن الاختلافات الحاصلة في الهلال ـ للأوّل من صفر لعام 1415هـ، ونصّها كالآتي:

أدناه خطّتنا المقترحة لتشتيت شعبيّة المرجع الإيراني السّيستاني وتقوية زعامة السّيد الصّدر للمرجعيّة، وكما يلي:

[أوّلاً] ١ـ التحرّك على الإيراني محمّد علي باقر مجتهد السّيستاني [وهو الاسم الكامل في الوثائق الرّسميّة للمرجع السّيستاني] من قبلنا بخطة مرسومة تستهدف حرق المذكور وتقليل شعبيته من خلال اتخاذ الخطوات التالية:

أ. استدعاء ابنه (محمد رضا) من قبل الدولة وبحجة إدخاله مطبوعات ممنوعة وتوزيعها بشكل علني وأكثر من مرّة، وهنا يبرز دورنا كمنقذ للمذكور من الشّرطة من خلال التّوسّط له لإطلاق سراحه إلى أن تتوطّد علاقتنا به.

ب. من خلال استغلال العلاقة الّتي تمّ بنائها مع المدعو (محمّد رضا) يتم الدّخول إلى والده، على أن يكون تردّدنا على الإيراني (محمد علي السيستاني) بأوقات وأماكن وطرق استخباراتيّة توحي للمتتبّع بأنّ لديه علاقة مع الأجهزة الأمنية.

[ثانياً] ٢ـ استغلال عدم صلاة الإيراني (السّيستاني) بالجماعة؛ وذلك لغلق مسجد الخضراء بتقوية المراجع الدينية الّتي لها شعبية لا بأس بها مثل (الإيراني علي أسد الله حسن زاده الغروي) والباكستاني بشير حسن صادق؛ وذلك بالسّماح للأوّل بالصّلاة في مسجد (عمران) الّذي يقع في الممّر الأيمن للصحن الحيدري الشّريف، والسمّاح للثّاني بالصّلاة في جامع...؛ وذلك لخلق موازنة عامّة من خلال سحب العديد من المصلّين وراء السّيستاني؛ لكونه لا يؤؤمّ بهم بصلاة الجّماعة حالياً، وبهذه الطريقة نؤمّن ظهور محاور وأقطاب جديدة تقلّل من شعبيّة الإيراني (السيستاني) وتؤمّن تزعّم الصّدر.

[ثالثاً] ٣ـ بنفس الوقت يتم تقوية زعامة الصّدر خلال هذه المراحل وفق ما يلي:

أ. عدم تسليم مسجد الخضراء في الوقت الحاضر إلى السّيد الصدر؛ لتفادي مرحلة التّعاطف مع الإيراني السيستاني، والوقوف بوجه الّلقب الّذي أطلقوه عليه الإيرانيين [الإيرانيّون] (المرجع المظلوم)، على أن يتمّ تسليمه في الوقت والظّرف المناسب، والّذي سيتم تهيأته من قبلنا، بعد إيجاد ذريعة مناسبة لذلك.

ب. توجيه الصّدر بالصّلاة داخل ضريح الإمام علي، وفي الأماكن الّتي كان يُصلي فيها كبار رجال الدّين في السّابق، واستغلال المناسبات الدّينية للصّلاة في أماكن مقدسة أخرى.

ج. استغلال تفاصيل علاقتنا الّتي ستُبنى مع الإيراني السيستاني كما ورد في المادّة (١) أعلاه وتطويعها لصالح السيد الصدر.

د. إضفاء هالة مقدسة على السيّد الصّدر خلال تنقله وخلال حياته اليوميّة، وتفويض التصرفات الغير جيّدة عند ولده (مصطفى)، وبشكل يزيد من هيبته أمام النّاس، ويخلق الدّعم ويوثّق الخطوات تجاه علمنا في زيادة شعبيّته.

للتفضل بالاطلاع واستحصال الموافقة على ما ورد أعلاه وإعلامنا. مع التقدير، العاشر من تمّوز لعام ألف وتسعمائة وأربع وتسعين ميلاديّة.

أقول: من الواضح لمن ألقى السّمع وهو شهيد أنّ مسيرة الشّهيد محمّد الصّدر اللّاحقة تناغمت في جملة مهمّة من مفاصلها مع هذه الأهداف حتّى أواخر حياته، وحاول بكلّ ما أوتي من قوّة واستطاعة أن يفرض نفسه على الواقع العراقيّ والحوزويّ، ويبسط نفوذه ويمدّه إلى أوقاف المرجعيّات ومؤسّساتها.

نعم؛ حينما شعر في أسابيعه الأخيرة أنّ بإمكانه إركاع النّظام، وأنّ لا طريق له للتّكفير عمّا كان مناوئوه يعدّونه موبقةً ما بعدها موبقة، أعني وضع يده في يد النّظام من أجل الوصول إلى أهدافه، يبدو أنّه رأى في المواجهة وتحدّي النّظام طريقاً للخروج من ذلك المأزق وإثبات استقلاله عنه.

وزامن ذلك التّحشيد الأمريكيّ ضدّ العراق وقصفه في عمليّات "ثعلب الصّحراء"، ولعلّ الصّدر قرأ ضعف النّظام في تلك اللّحظة قراءةً أكبر من واقعه؛ لكنّ النّظام كان أقدر ممّا تصوّر على حسم المواجهة، ثمّ جاءت عمليّة اغتياله في ظرف يسمح بإلقاء الشّبهات على الأعداء الكثيرين الّذين صنعهم الصّدر لنفسه دون مبرّر.

والنّتيجة: ذلك العبء الثّقيل جدّاً، والتّركة المهولة الّتي خلّفها وراءه، والّتي تصلح أن تكون من أبرز مصاديق المثل العراقيّ: "لا أغنّيك، ولا أخلّي رحمة الله تجيك"؛ فتدبّر قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.