كان الأسلوب المعتمد لدى أجهزة المخابرات والأمن العراقيّة في كيفيّة صناعة رمزيّة وقدسيّة ومكانة للشّهيد محمّد الصّدر، بحسب قراءتنا للوثائق الّتي عرضناها، هو الاتّفاق معه على الضّغط على بعض المراجع المنافسين له في بعض الملفّات، والإيحاء بنحو أو بآخر لهذه العناصر بأنّ المفتاح السّحريّ بيد الصّدر لا غير؛ من أجل أن يأتوا طائعين متوسّلين، وأنت من تتدخّل وترفع الحيف عنهم، وبهذه الطّريقة تصنع ونصنع لك مكانةً بين الجماهير، وتُحيّدهم مع جمهورهم أيضاً!!
وحينما يرون أنّ الضّحيّة لا يستجيب للطّريقة الأولى، ولو لعصاميّته أو لاكتشافه اللّعبة والسّيناريو بالكامل، يُلجأ معه إلى الطّريقة الثّانية، وهي طريقة تنجيسه وإسقاط سمعته أمام محبّيه، وذلك بالّلجوء لإظهار المودّة والإلحاح في إبرازها، وأنّنا "بيننا وما بين الله" نريد خدمة الدّين والمذهب لا غير، ولا فرق بين أن تخرج الخدمة من عندنا أو من عندكم، ونوضّح للجمهور بأنّا نحاول زيارتهم وحضور مجالسهم وفواتحهم رغم معارضتهم، وفي الوقت نفسه نُشيع بين النّاس أنّ الضّحيّة لم يستجب لهذه الطّريقة الأخلاقيّة الرّفيعة في تسوية الأمور، وإنّما لجأ إلى القصر الرّئاسيّ ونظام صدّام وجلاوزته من أجل حلحلة هذا الموضوع الخلافيّ، مع أنّه يُفتي بعدم جواز التّقاضي إلى حكّام الجور، وهذا يكشف بوضوح أنّه متعاون معهم، فيثبت المطلوب!!
وهذه الأساليب عينها مارسها الشّهيد محمّد الصّدر مع السيّد محمّد سعيد الحكيم بعد أن استولى الصّدر على المدرسة الباكستانيّة محلّ البحث؛ فأخذ يصعّد اللّهجة ضدّه، ويُشكّك في ملكيّتهم أو أحقيّة تصرّفهم بالأرض والمدرسة منذ البداية، وناقش في أعلميّة جدّهم وفقاهته، بل حكم ببطلان الوقف أيضاً... إلخ من بيانات كشفت عنها أجوبة استفتاءاته المتقدّمة، لكنّه ترك للحكيم كوّةً هي المقصودة منذ البداية، وهي: المجيء إلى بيته أو المكتب والاعتذار منه وتسوية الأمور، وبهذه الطّريقة تحصل الغاية القصوى المتّفق عليها.
لكنّ هذه الخطّة في مرحلتها الأولى لم تجد نفعاً مع السيّد محمّد سعيد الحكيم، الّذي قضى أكثر من ثماني سنوات من عمره هو وبقيّة أفراد أسرته في سجون صدّام وأجهزته، وتحمّل ألوان الضّغوط طيلة السّنوات الّتي رافقت سجنه، ومن ثمّ لا يمكن لشخصيّة مثله ألّا تعرف ألاعيب صدّام وأجهزته؛ وبالتّالي فلا يُمكن أن تهرول مسرعةً إلى الشّهيد محمّد الصّدر للتوسّل به والاعتذار منه وهي تعرف السّيناريو المُعدّ سلفاً، وهنا تبدأ المرحلة الثّانية من الخطّة المُعدّة سلفاً.
في المرحلة الثّانية تبدأ أجهزة النّظام بالدّخول على الخطّ، وهي بحكم طبيعة عملها على تواصل مستمرّ مع عموم المراجع ومطّلعة على تفاصيل كثيرة عنهم، وتسألهم عن حاجاتهم وطلباتهم باستمرار، فيبدأ الضّحيّة برفع الطّلب إلى القيادة في سيناريو يُفترض على أنّه متّفق عليه سلفاً، وتصدر الأوامر الدّيوانيّة من بغداد بضرورة إنصاف الشّخص وإرجاع حقّه، وهنا تُمنح الإشارة إلى الشّهيد محمّد الصّدر للبدء بتصعيد الخطوات في المرحلة الثّانية.
فيبدأ السيّد يتحدّث عن الخُلق الرّفيع، والمُثل العليا، والتّسامح، وكأنّه نسي اللّغة الّتي حملتها استفتاءاته السّابقة، وكيف كان يتحدّث معهم، وكيف كان الوقف باطلاً، وأنّ جدّهم لا ولاية عامّة له، وأنّهم إذا استلموا المدرسة فسوف يربّون "جيشاً" من الطلّاب ضدّي، وبقدرة قادر صار محمّد سعيد الحكيم "خوش آدمي"، وأنّ المدرسة هي مجرّد عبء عليّ، وأنّني وهو إذا استلمنا المدرسة فسوف يكون هدفنا خدمة الدّين والمذهب لا غير، ولا نعتقد أنّ من المناسب له أن يُشاع بين النّاس بأنّه لجأ إلى القصر الرّئاسيّ من أجل استلامها، وإذا حصل ذلك فسوف نضطرّ إلى إشاعة ذلك بين المؤمنين!!
هذه هي الخطّة الّتي نقرأ أنّ الشّهيد محمّد الصّدر طبّقها مع منافسيه من بيت الحكيم، والّتي لا نزال نشهد ضحاياها إلى اليوم؛ حيث تراهم كلّما فُتح هذا الموضوع يُخرجون لك الوثيقة الّتي صدر فيها أمر استرجاع المدرسة من القصر الرّئاسيّ، وبهذا يريدون أن يُبعدوا التّهمة عن صاحبهم ويلصقوها بغيره، وهم بهذه الطّريقة يخدعون أنفسهم لا غير؛ فتدبّر قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.