ولم تتوقّف الاستفتاءات الموجّهة إلى الشّهيد محمّد الصّدر عند هذا الحدّ، بل بعث إليه أحد مقلّديه استفتاءً حمل تطوّراً لافتاً، نصّ فيه على أنّ ما سمعه من السيّد محمّد سعيد الحكيم أفضى به إلى الشكّ في عدالته وحسن خُلقه في التّعامل مع المؤمنين، وسننقل الاستفتاء وجوابه بطولهما؛ لما فيهما من نفع عميم.
وقبل نقله ينبغي التّنويه إلى نقطة جديرة بالالتفات، وهي: أنّ الشّهيد محمّد الصّدر حينما رأى أنّ مجيء آل الحكيم إلى بيته أو مكتبه للاعتذار وتسوية الأمور غير محتمل كما جاء في إجابته عن الاستفتاء الأوّل؛ نظراً لطبيعة شخصيّة السيّد محمّد سعيد الحكيم والّتي خرجت للتّو من السّجن الّذي ناهز عشر سنوات، بدأ يصعّد موقفه تجاههم، وحذف هذه الفقرة من إجابته عن الاستفتاء الأخير، وهو ما نقرأه ضمن مسار متدرّج وممرحل في التّعامل مع القضيّة كان مرسوماً لسماحته.
جاء في الاستفتاء ما يلي:
سماحة آية الله العظمى زعيم الحوزة العلميّة السيّد محمّد الصّدر دام ظلّه الشّريف: إنّي من مقلّديكم، وبعد التأكّد واليقين الّذي تبيّن لديّ أنّكم الأعلم، أخذ ينتابني القلق من صحّة التّقليد؛ ليس من جانب الأعلمية، بل العدالة وحُسن الخلُق والتّعامل مع المؤمنين، فبعد أن سألتكم بخصوص المدرسة وأجبتني إنّ مدرسة الصدر [وهي المدرسة الباكستانيّة الّتي بدّل اسمها بعد الاستيلاء عليها] هي أساساً وقف، فهل لديكم دليل على ذلك؟
لأنّي ذهبت إلى السيد [محمّد سعيد] الحكيم وقال: إنّها من وصايا جدّنا الحكيم لأولاده، وإنّ أرضيّة المدرسة من ملكنا، ولدينا الوصية الّتي كتبها السيّد الحكيم إلى أولاده، وهي خير دليل، فقال لي السيد الحكيم: إنّ المدرسة غصبٌ غصبٌ غصبٌ. فقلت له: هل [أنت] مسؤول أمام الله يوم القيامة؟ أجابني: نعم. فما جواب سيادتكم أعزّكم الله. مع العلم أنّه قال لي: أي فتوى تُجيز التصرّف بالوقف؟!
وهنا بدأ الشّهيد ـ على طريقته ـ في تطويع النّصوص والواضحات من أجل تطبيق ما نراه مساراً مرحليّاً مؤسّس له سلفاص يقضي إمّا بإركاع المقابل، أو تنجيسه وتشويه صورته في آخر المطاف وإسقاط سمعته بين الجمهور، فأجابه الشّهيد محمّد الصّدر بما يلي:
بسمه تعالى: "جوابي على ذلك صار من أول الأمر؛ لأنّي أعلم بوجود الوقفية من قبل المرجع السيّد [محسن] الحكيم ورأيتها بنفسي، إلّا أنّني أقول: إنّها ليست بحجة؛ لأنّه ليس له حقّ إجراء صيغة الوقف شرعاً؛ لأنه ليس هو المالك ولا هو الولي العامّ بولاية الفقيه!!
أمّا إنّه ليس هو المالك؛ فلأنّه لم يبن المدرسة من أمواله الشخصيّة، وإنّما هي أموال مدفوعة من باكستان، ولذا تُسمى المدرسة الباكستانيّة، ولم يهبوها له شخصيّاً، وإنّما دفعوها له كي يبني بها المدرسة. والمالك الباكستاني لم يجر صيغة الوقف قطعاً، ولا وكّله بذلك وكالة خاصة، كما ليس للسيّد محسن الحكيم ولاية عامة بذلك لعدة أمور:
[أوّلاً]: 1ـ إنّ الولاية في رأيي للأعلم، وهو لم يكن أعلم، بل كان اثنان أو أكثر أعلم منه في زمانه.
[ثانياً]: 2ـ إنّه هو نفسه لم يكن يفتي بالولاية العامّة حتّى لو كان أعلم.
وأما أرض المدرسة فأنا أقول: إنّ الأرض الّتي ليست مُحياة لا تكون ملكاً، وإحياؤها صار بأموال الباكستانية لا بأموال آل الحكيم لتكون ملكهم، فحكم هذه الأرض بعد إحيائها الحالي حكم البناء نفسه، فلا يكون وقفاً.
وإنّما هو إباحة وتسبيل في سبيل الله من قبل الباكستانيّين للصرّف على الحوزة العلميّة واستعمالها، ومن المعلوم إنّنا نعمل بذلك أيضاً، ولا يدخل في ملكنا دينار ولا درهم.
ثمّ إنّا لو أرجعناها إلى آل الحكيم:
أولًا: إنّهم يأخذ ونها ويسبوننا؛ لأننا كنا غاصبين، ولا يعتبرون ذلك محمدةً إطلاقاً.
ثانياً: سوف يربّون فيها "جيش" ـ يعني عدد كبير من الطّلاب ـ كل همّهم البُعد عنّي وانتقادي ومقاطعتي.
ولذا قلت أنا في الكتابات السّابقة: إنّني لو دفعت لهم المدرسة تحصل مفسدة في الحوزة، فإنّ انتقادي وإن لم يكن مهماً لشخصي، ولكنّه مهم للحوزة، أعني فيه رؤية ضرر كبير بلا شكّ للدرس". (1).
ومن الواضح: إنّ مثل هذه البيانات المتناقضة والمهلهلة، والّتي تكشف بوضوح عن عُقد نفسيّة مهولة تحملها شخصيّة كاتبها، لا يُمكن أن تبرهن عن نقاوة قلبٍ وطهارةٍ باطن في التّعامل مع الخصوم فكيف بالمنافسين، بل هي دالّة بجلاء على أنّ من يسير بها أو يمتثل لتعاليمها ينتهج نهج شطارة باعة سوق النّجف وأضرابه، مع أنّه كان بإمكانه منذ البداية ألّا يستولي على المدرسة مع وجود الشّك ـ ولو البسيط ـ في وجود متولٍّ شرعيّ لها، ولو عرف بعد ذلك بوجوده، فكان عليه إرجاعها فوراً بدلاً من الدّخول في مماحكات من هذا القبيل، وتوظيف لطّامة الموكب في إدارتها والمقرّبين في إذكائها، وبهذا سيكبر في عيونهم، ويضرب درساً جليلاً في القيم والأخلاق، فليُتدبّر قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.