بعد أن مهّدت حكومة صدّام الطّريق أمام الشّهيد محمّد الصّدر للاستيلاء على أوقاف المرجعيّات والبيوتات الأخرى في النّجف في سياق التّخادم المتّفق عليه سلفاً، وذلك من خلال مصادرتها القانونيّة وفقاً لقرارات صدرت من مجلس قيادة الثّورة عام 1994م، أرسل الشّهيد عناصره من أجل فرض سلطتهم وقبضتهم عليها، وهذا ما حصل بالفعل.
ومن ضمن هذه المدارس الّتي تمّ الاستيلاء عليها هي المدرسة الباكستانيّة في شارع أبي صخير والّتي تُعتبر من أوقاف المرجع الأعلى في حينها السيّد محسن الحكيم بعد تبرّع تاجر باكستانيّ بأموال أرضها، وجعل المتولّي على أمورها بيد السيّد محسن الحكيم، وجعل الحكيم أمرها ولايتها كما هو حال بقيّة أوقافه وأملاكه بيد أولاده النسبيّين حصراً على تفصيل حملته صيغة أوقافه الّتي لا يتحمّل المقام لذكرها.
وقد حصلت خلافات طويلة عريضة حول هذه المدرسة سيأتي الحديث في بعض جوانبها لاحقاً، لكنّا سنبدأ بذكر طريقة الشّهيد محمّد الصّدر معها، والّتي نكتشف من خلالها أشياء كثيرة كامنة في طبيعته السّايكلوجيّة، ولا شكّ في أنّها مؤثّرة كثيراً على طبيعة تفكيره وعلى قراراته، بل وعلى عدالته وحسن تصرّفه أيضاً.
في تمّوز عام 1996 كتب أحد تجّار الشّورجة في بغداد استفتاءً لسماحته يتضمّن الاستفتاء عن المشاكل والتّداعيات الخطيرة على سمعة الشّهيد محمّد الصّدر بسبب هذه المدرسة، جاء فيه ما يلي: سماحة المرجع الدّيني الأعلى آية الله العظمى السيّد محمّد الصّدر "دام عُلاه": أثيرت في الآونة الأخيرة مسألة المدرسة الباكستانيّة، وقد سبّب ذلك شبهة حول سماحتكم في هذا الموضوع؛ حيث تمّ نقل هذه الأخبار عن بعض فضلاء الحوزة إلينا في الشّورجة في بغداد، وانتشرت هذه الدّعاية، ولا من رادّ لها، ونحن لا نملك أي مثبتات عن الموضوع لكي نستطيع الإجابة للردّ على ذلك. نرجو من سماحتكم تبيان الأمر لنا قدر المستطاع؛ ليتضح الحق لكلّ ذي عينين وأدام الله بقائكم.
وهنا يبدأ سماحته في تطويع الدّين وليّ عنق النّصوص والحقائق في إجابة هذا السّؤال ليقول بعد بسمه تعالى:
أوّلاً: إنّ الواقف [لهذه المدرسة] ليس هو المالك؛ فإنّ المالك للمال أصلاً هو أحد الباكستانيين، والواقف هو السيد محسن الحكيم "قده"، ولم يصبح المال هبة له، وإنمّا أعطي له بشرط بناء المدرسة.
[ثانياً]: علماً إنّ السيد الحكيم في حينه لم يكن له الوقف؛ [وذلك] فالولاية العامة لأنّه لم يكن يقول بها، كما إنّه لم يكن هو الأعلم في زمانه، والولاية تختصّ بالأعلم على ما عليه فتوانا، بل كان اثنان أعلم منه عندئذ.
ثالثاً: إنّه من المحتمل بل الرّاجح والاحتمال دافع للاستدلال: إنّ الوقف الشّرعي جرى قبل بناء المدرسة، وأنا أفتي إنّ الوقف على الأرض قبل إحيائها باطل، وورقة الوقف الرسمية الموجودة فعلاً قد كتبت بعد البناء، إلّا إنّ الصّيغة الشرعيّة يحتمل تقدمها عليه.
رابعاً: أنّ الولاية في هذا العصر للأعلم، وأنا أعتقد بنفسي الأعلم. مضافاً إلى إنّ التّرتيب الصّحيح للحوزة إنّما هو موجود لدينا، وإذا تكفله بعض النّاس غيري فسوف يحصل تشتت وخطر على الحوزة. فإذا أعطينا هذه المدرسة لغيرنا يحصل ذلك حتماً؛ لأنّه سوف لن يقبلوا منّا من نختاره من الدّارسين الجدد، بل يعتبرون أنفسهم مستقلين في ذلك، وفي ذلك جهة مفسدة مهمة للحوزة.
خامساً: أنا قلت أنّهم إذا زاروني في بيتي "براني" مع بعض الوجهاء فسوف أعطيهم المدرسة فوراً، ولكنّني وجدتهم كأنّهم مستعدون للتّّضحية بالمدرسة نفسها في سبيل عدم وصولهم إلينا وسماع صوتنا ولله في خلقه شؤون. ندعو الله إلى حسن العاقبة والعافية من كل زلل. محمّد الصّدر. (1).
أقول: من الملاحظ أنّ معظم ما جاء في الأجوبة الأربعة الأولى لا قيمة علميّة لها أصلاً، وهي ليست مُرادة جدّاً للشّهيد محمّد الصّدر على الإطلاق، وإنّما همّه وغمّه ما جاء في خامساً، وهي لغة "مكاسر الخشوم" الّتي يعشقها "رحمه الله" في داخله والّتي ورّثها أيضاً لعشّاقه ومحبّيه، وكأنّه يرى: إنّ إذلاء بيت الحكيم بهذه الطّريقة يعني انتصاراً له، مع أنّه لو تفطّن في حينها كما تفطّن في أُخريات مرجعيّته ـ إثر ضغط الأجهزة الأمنية ـ وتعامل بلغة أكبر مثاليّة وأرجع المدرسة إليهم وهي حقّهم وفق الضّوابط القانونيّة والشّرعيّة [المتعارفة]، لكسب ودّهم ولا أقل حيّدهم من الوقوف إلى صفّ أعدائه، لكنّه أصرّ على استعدائهم بشكل عجيب غريب، مع أنّه لم يكن بحاجة إلى ذلك أصلاً.
سنتابع هذه المواقف وتطوّراتها؛ لكي نضع بيد المتابع الجادّ والمهتمّ صوراً بسيطة للاضطرابات السّايكلوجيّة المخيفة الّتي كان يعاني منها "رحمه الله"، والّتي انعكست بوضوح على تحرّكاته ومواقفه وخطاباته، وانتقلت أيضاً إلى كثير من المتأثّرين به والمعتقدين بعصمته، فتدبّر ولاحظ وافهم، والله من وراء القصد.
لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.