كان بيت الحكيم يُمثّل العقدة الأكبر الّتي كان الشّهيد محمّد الصّدر يحسب أنّ عليه دعسها وتمريغ أنفها في بداية مشروعه، ودعوتهم للمفاوضات بعد ذلك إنطلاقاً من مبدأ المفاوضات والسّلام من خلال القوّة وفرض الأمر الواقع.

وهي أحقاد أُسريّة قديمة ربّما يكون أساسها التّدافع المحموم ما بين مرجعيّة جدّه لامّه وخال أبيه الشّيخ محمّد رضا آل ياسين، ومرجعيّة السيّد محسن الحكيم؛ إذ تنازع هؤلاء الزّعامة والمرجعيّة في العراق بعد وفاة السيّد أبو الحسن الأصفهاني في عام 1945، بعد أن دفع الأخير المرجعيّة العُليا إلى مدينة قم الإيرانيّة، وسلّمها إلى زعيم الطّائفة الأعلى السيّد حسين البروجرديّ، ولمّا مات البروجردي تسنّم الحكيم المرجعيّة العليا بعد أن أبرق شاه إيران التّهنئة له، فبسط نفوذ الأسرة حتّى الأخير، وأوقف لهم مدارس ومكتبات في عموم المحافظات والأقضية العراقيّة.

ربّما يُحاول بعض المتنسكين إضفاء صورة غاية في الورديّة والرّوحانيّة على هذا الصّراع، وأنّ هذا الصّراع لم يكن في حقيقته صراعاً بقدر ما كان تفاهماً وتراحماً وإحساساً بالمسؤوليّة، لكنّ الباحث المُحايد يعرف بأنّ المرجعيّة ولوازمها صراع بشريّ بامتياز، كما كانت الإمامة وأمثالها من المقامات أيضاً، وخطورتها تكمن في أنّ المتلبّسين بها يتحرّكون في عدائهم مع المنافس الآخر بلغة تحمل عنوان: "بين ما بين الله"، و "وجدت تكليفي الشّرعي خدمة النّاس"، وأمثالهما من عناوين يكثر استخدامها واستعمالها، وتنطلي على السُذّج والبسطاء، وهم في الغالب بيادق هذا الصّراع وجنوده.

ومن شواهد ذلك: هو الصّراع الّذي أحدثه الشّهيد محمّد الصّدر مع السيّد محمّد سعيد الحكيم بعد استيلائه على بعض أوقاف جدّهم محسن الحكيم، وأخذ يُعمّق هذا الصّراع ويحرّك العناصر المحيطة به نحو إذكائه، مع أنّه لم يكن بحاجة لمثل هذا أصلاً، وكان بإمكانه أن يُرجع المدرسة وكفى الله المؤمنين شرّ القتال.

ونتيجة هذا الصّراع: هو تعميق الخلافات الشّخصيّة بين هذه الأُسر، مع أنّهم متواشجين، ومتصاهرين، ومتداخلين في بعض أجنحتهم، والنّتيجة هو أنّ الغمّان والسُذّج دفعوا ويدفعون الثّمن، ولا يفهمون أنّ الشّيء الوحيد الّذي ليس له علاقة بهذه الصّراعات هو مفهوم اسمه الله، فليُتدبّر قليلاً يُغنم كثيراً، والله من وراء القصد.