أنا من المؤمنين بعجز الدّليل العقلي النّظري ـ لا العملي ـ على إقامة البرهان على موجدٍ وخالقٍ لهذا الكون، وأنّ ما طرحته المنظومة الإسلاميّة بعرضها العريض ـ فضلاً عن باقي المنظومات الدّينيّة الأخرى ـ من أدلّة تدّعي عقليّتها، هي في حقيقتها: إمّا ليست عقليّة أصلاً، أو ليست تامّة في أحسن الأحوال؛ إذ لا تصمد أمثالها عند التّمحيص والتّدقيق، ولا تقوى على عبور امتحانات الفلسفات الحديثة ومنطق العلم، بل إنّ معظمها ليست سوى إعادة تدوير لفرضيّات قديمة في ثوبٍ جديدٍ.

لكنّي ومع هذا كلّه، أصادر أخلاقيّاً على وجوده ولو على طريقة الفيلسوف الألماني الرّاحل إيمانويل كَنْت؛ وأرى أنّ افتراض عدم وجوده لن يُحقّق السّعادة والهدف الأسمى وهو الحفاظ على القيم الأخلاقيّة العليا من الضّياع والاندراس، وهو مطلب أرى بأنّ البشريّة معنيّة بالوصول إليه.

وعليه: فالإله الّذي أصادر عليه هو إله القيم، لا إله الغزوات والسّبي والغنائم، هو إله الضّمير لا إله الأصوات الماورائيّة المدّعاة، هو الإله الّذي يتشكّل في داخل الإنسان بحسب قابليّاته ووعيه وصدقه مع ذاته وعقله، لا الإله الموروث المشوب المخلوط الّذي رُسم في الكتب القديمة عبر تراكم الأساطير والمآرب البشريّة لأصحابها.

وبهذه الرّؤية يتّضح تماماً ماذا أعني حينما أختم منشوراتي بعبارة: "والله من وراء القصد"؛ فهي ليست إحالة إلى الإله الكلاميّ الّذي تحدّثت عنه الأديان على طريقتها، وإنّما إلى ذلك الإله الّذي يُمثّل المبدأ الأخلاقيّ الأعلى، ذلك الّذي لا يحتاج إلى وحيٍ ولا نبوّاتٍ ولا معجزاتٍ، بل يفرضه العقل العمليّ البديهيّ حينما يرتقي الإنسان فوق ميوله ومصالحه واصطفافاته.

وبكلمة جامعة: الله الّذي أعنيه هو الله الّذي يبقى إذا سقطت جميع الأديان، وتهاوت كلّ المذاهب، وبقي الإنسان وحيداً أمام ضميره، فهو الله الّذي لا يتعارض مع العلم، ولا يُصادر العقل، ولا يفرض دمويّة ولا إقصاء، بل هو صورة الإنسان حينما يبلغ ذروته الأخلاقيّة. فتأمّل كثيراً، وافهم جيّداً: والله من وراء القصد.