بكلّ صراحة وأسف أقول: لم يكن الإمام الحسين ـ بجميع صيغه المذهبيّة والمنبريّة والثّوريّة وحتّى الحقيقيّة ـ قدوةً صالحةً لشيعته على مرّ التّاريخ؛ وذلك لأنّنا إذا افترضناه ثورةً ضدّ الطّغيان وإباءً للضّيم، فإنّ ما تعرّض له الشّيعة بسببه من ظلمٍ، وقتلٍ، وسجنٍ، وتشريدٍ، وتعذيبٍ...أفضى إلى جريان أنهارٍ من الدّماء عبر القرون، من دون أن يفضي ذلك إلى رفاهيّةٍ أو عزّةٍ نافعةٍ أو نهضةٍ حقيقيّةٍ، بل ولا أخلاقيّة أيضاً.

وإذا أردنا تقليده في طموحاته أو فيما يُسمّى بثورته، فالمفروض أنّ الفقهاء انسياقاً مع تعليمات أئمّة أهل البيت من ولده لا يسمحوا لنا بذلك أصلاً؛ لأنّهم يقولون: إنّ ذلك من قبيل إلقاء النّفس في التّهلكة، وإنّ للإمام الحسين تكليفاً خاصّاً لا يجوز القياس عليه، وبذلك سقطت القدوة العمليّة من أساسها، وتحوّلت سيرته إلى حادثة استثنائيّة لا يجوز الاقتداء بها.

وإذا اقتصرنا على البكاء، واللّطم، والمجالس، والشّعارات، وأضرابها من طقوس وكرنفالات، فما الّذي حصلت عليه الأمّة من ذلك؟! إنّ أمّتنا منذ أن سلكت هذا المسار وإلى اليوم لا تزال تعاني من الظّلاميّة، والرّجعيّة، والتّخلّف، والتّقهقر، والمجتمع الحسينيّ يعاني من انحدار أخلاقيّ رهيب، تلحظه بوضوح حتّى حين قراءة مقتل الحسين يوم عاشوراء، ويستأنس بمفردات: يابن راعية المعزى، يابن البّوال على عقبيه، يا بهيمة، يا حمار، يابن الزّانية، ويراها أوصافاً حقيقيّة لأعداء الحسين ولا إشكال في تداولها.

كما لم تُقدّم لنا ما يُسمّى بالشّعائر الحسينيّة: صحوةً إيمانيّةً، ولا نهضةً علميّةً، ولا حضاريّةً، ولا اقتصاديّةً، ولا سياسيّةً، وإنّما بقيت تدور في الحلقة نفسها جيلاً بعد جيل، ونحن في آخر الأممّ!!

ولهذا يعرف المؤمن الموالي في قرارة نفسه أنّ شعارات كربلاء لا تصلح إلّا للاستهلاك المحلّي، وأنّها لا تُقيم دولةً، ولا تُغيّر موازين القوى، ولا تصنع حضارة؛ فما لم يتسلّح الإنسان بالعدّة والعدد الكافيين، تبقى تحرّكاته مجرّد اندفاعات عاطفيّة وفقاعات لا تُنتج إلّا الدّمار والخراب.

هذا والأكثر غرابةً وطرافة: أنّ المذهب الشّيعيّ الاثني عشريّ نفسه ما بُني وتوسّع وانتشر إلّا بالتقيّة والمداراة والعمل الهادئ، ولم يسلك طريق الدّم والثّورات المسلّحة قطّ، بل ورد في روايات أئمّتهم ذمّ شديد لأيّ راية تخرج قبل ما يُسمّى بالقائم. أمّا المذهب الزّيدي فقد واجه الصّفعات تلو الصّفعات على مرّ التّاريخ بسبب الإقدام على مواجهات غير متكافئة ومعلومة النّتائج سلفاً، وما يُتراءى من انتصارات عسكريّة أخيرة لبعض مساراته إنّما يعود للتّرسانة العسكريّة، لا للشّعارات الفارغة والاندفاعات.

وختاماً، وبعيداً عن لغة الهمبلة، لا سيّما بصيغتها العراقيّة المعروفة: لم يُقدّم لنا الإمام الحسين قدوة صالحة تُنتج: رفاهيّةً، ولا خدماتٍ، ولا صحّةً، ولا حتّى عزّةً ومبدئيّةً نافعة، ولا زلنا نرزخ في الظّلاميّة والرّجعيّة والتّخلّف والتّقهقر؛ لأنّنا لا نريد أن نراجع حركته نحو كربلاء مراجعةً حقيقيّة تكشف أسبابها النّفسيّة والسّوسيولوجيّة والسّياسيّة، ونؤرشفها كما نؤرشف سائر حوادث التّاريخ، ثمّ نبحث في أنفسنا عن قدوات صالحة منتجة لنا جميعاً، لا لطيف مخصوص من "السّلابات" الّتي تُريد امتطاءنا وسوقنا نحو حتوفنا.

أمّا الأرقام النّجوميّة الّتي تُصرف على المواكب والمجالس، فهي في الغالب لونٌ من الوناسة الاجتماعيّة والمتنفّس النّفسيّ، وهذا شيء، ودعوى إصلاح الأمّة وبناء الحضارة شيء آخر تماماً، فتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.