حينما نقرأ المشهد الكربلائيّ قراءةً سليمةً، ونفحص شخوصه فحصاً سايكلوجيّاً وسوسيولوجيّاً صحيحاً، ستندثر عندنا كلّ تلك الانتفاخات الّتي ولدنا عليها، وسنكتشف أنّ الضحيّة والقاتل هما جزء من صراعات البشر الأزليّة والسّرمديّة؛ صراع النّزاع من أجل البقاء، وصراع السّلطة والمال والنّفوذ.

مشكلتنا أنّنا لا نُريد أن نتجرّد من عواطفنا ودموعنا ونحن نقرأ الأحداث الكربلائيّة، ولا نُريد أن نحاكمها بالموازين نفسها الّتي نحاكم بها بقيّة الحوادث البشريّة والتّاريخيّة؛ لأنّنا نخشى أن تنهار في داخلنا صورٌ كثيرة نشأنا عليها، وتربّينا على تقديسها قبل أن نفهمها ونعيها.

كان الإمام الحسين طامحاً في السّلطة دون شكّ وريب، وبمعزل عن استحقاقه لذلك أو لا؛ فهذه أمور يرجع تقويمها إلى طبيعة الآليّات الّتي نختارها لذلك: فهل هي الانتخابات وصناديق الاقتراع، أم هي النّصّ الإلهيّ المفترض، أم أنّها قرار علية القوم وأهل الحلّ والعقد؟!

لكن حتّى لو كان هذا الطّموح مشروعاً في نفسه، إلّا أنّه كلّف الإمام الحسين أصحابه وأهل بيته جميعاً، وأوقع أسرته وأطفاله في مهانة وإذلال منقطع النّظير، وهي نتيجة لا يمكن القفز عليها بمجرّد العاطفة، ولا يمكن تذويبها في لغة البطولة والتّضحية دون حساب عقلائيّ واضح.

مع أنّنا إذا أردنا أن نحسب الأمور بموازين العقلاء بما هم عقلاء، فسنجد أنفسنا أمام سؤال جادّ لا يمكن تجاوزه: ما هو الإصلاح الّذي كان ينشده الإمام حتّى يستوجب أن يضحّي بهذا العدد من أصحابه وأهل بيته، وأن يعرّض نساءه وأطفاله الصّغار إلى السّبي والإذلال والضّياع؟!

ولو ذهبنا إلى أنّ الإمام كان محقّاً في أصل خروجه ودعواه، وأنّ خصومه كانوا على باطل من هذا الحيث، فإنّ هذا لا يحلّ المشكلة من أصلها؛ لأنّ الكلام بعد الكسر والانكسار، وبعد وضوح عدم القدرة على تحقيق المشروع، وبعد أن أصبح الثّمن المباشر لهذا الإصرار هو إذلال الأسرة والنّساء والأطفال، فإنّ الاستسلام الشّخصي في نظر العقلاء بما هم عقلاء ـ وحتّى الموالين في أيّامنا لو وقعوا لا سمح الله في مثل هذا الموقف ـ هو المقدّم في المقام؛ إذ لا يجد العقلاء بما هم عقلاء مبرّراً لأن يُسلّم الإنسان نساءه وأطفاله الصّغار إلى مصير مجهول، في سبيل مشروع لم تعد له قدرة عمليّة على الانتصار أو التحقّق.

وبالتّالي: كان بإمكان الإنسان أن يتحمّل القتل صبراً في سبيل ما يراه حقّاً، وأن يختار لنفسه ما يشاء من مصائر، لكنّ المشكلة تبدأ حينما يتحوّل هذا الاختيار الشّخصي إلى مصير مفروض على النّساء والأطفال دون استفتاء، فيُدفعون إلى المهانة والإذلال والسّبي باسم مشروع سياسيّ أو إصلاحيّ لم يعد قادراً على حماية نفسه فضلاً عن حماية غيره.

هذه قراءة ستختلف معها ولا تتّفق، وستثور وتنزعج وترعد وتزبد، لكنّي واثق كلّ الوثوق بأنّك ستكون أوّل المطبّقين لها حينما تُبتلى ـ لا سمح الله ـ بموقفٍ مشابه؛ فلو رأيت مشروعك قد انكسر، ونساءك وأطفالك أمام خطر الإذلال، لما قدّمت استمرار المشروع عليهم، ولما عددتَ تعريضهم لذلك بطولةً ولا إصلاحاً، بل لقلت: إنّ حفظهم هو أولى الأولويّات.

أجل؛ ستقول ذلك، ولكن: شريطة أن تبتعد عن قراءة أحداث كربلاء قراءة طوبائيّة ماورائيّة غيبيّة مهلهلة، بعيداً عن سطوة المنبر ومخياله، وأن تعود إلى قراءة الحادثة بوصفها حادثة بشريّة تجري عليها موازين البشر، وتخضع لما يخضع له كلّ فعل سياسيّ من سؤال الكلفة والجدوى والمسؤوليّة، فتفطّن كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد. #ميثاق_العسر