لك أن تتخيّل سيّدي الموالي، وأنتِ سيّدتي الموالية: أنّ الإمامين الحسن والحسين قضيا بعد مقتل أبيهما سنواتٍ في يثرب، تراوحت ما بين عشر سنوات للأوّل وعشرين سنة للثّاني، ومع ذلك لم يُنقل أنّ أحدهما كلّف نفسه أن يشدّ الرّحال إلى الكوفة لزيارة قبر أبيه، أو يصطحب أولاده وعياله للتبرّك به، أو يحثّ شيعته على ذلك، مع أنّ مثل هذا الحدث لو وقع لكانت دواعي نقله وحفظه متوفّرة جدّاً.
ولا تقل لي: لم يكن في مقدورهما ذلك، أو إنّ السّفر كان بعيداً؛ فقد كانا يذهبان إلى معاوية في الشّام لتقديم فروض الطّاعة له، ويستلمان الأموال والهدايا المليونيّة منه، ولم يُنقل أنّهما عرّجا على قبر أبيهما، ولو لقراءة الفاتحة مثلاً!!
ولا تقل لي أيضاً: كان ذلك تقيّةً وخوفاً؛ فقد كانا يسبّان مروان بن الحكم علناً، ويختلفان معه في المسجد، ثمّ يُصلّيان خلفه، ولم تكن التّقيّة مانعاً من مثل هذه المواقف، فكيف أصبحت مانعاً من زيارة قبر الأب؟!
نعم؛ لم يكن للقبور في تلك المرحلة ذلك الحضور الّذي نشهده اليوم أصلاً، وإنّما تعاظم شأنها في مرحلة ولادة المذاهب، وصناعة الهويّات، فأنشئت نصوص الزّيارات، واستُحدثت طقوسها، وأُلبست القبور رمزيّات دينيّة واسعة، حتّى انتهى الأمر بنا إلى تقديم الحجر على الإنسان، فتأمّل قليلاً تغنم كثيراً، والله من وراء القصد.

لا توجد تعليقات بعد — كن أوّل المعلّقين.